قَالَ النَّوَوِيُّ. اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَجْرَ فِيهِ يَنْتَهِي تَضْعِيفُهُ إِلَى نِصْفِ أَجْرِ الْإِيمَانِ, وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِيمَانَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ مِن الْخَطَايَا وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ إِلَّا أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِحُّ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ فَصَارَ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِيمَانِ فِي مَعْنَى الشَّطْرِ [1] .
وقد أمر الله نبيه بتطهير ثيابه, فقال تعالى: (( وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) ) [المدثر:5]
وكما أن الداعية نظيف القلب سالم من الحسد والحقد، والبغض والكره، فهو نظيف الظاهر، فباطنه وظاهره سواء كالثوب الأبيض، ومتى كان كذلك عظم أجره وثوابه، وازداد قبولًا عند المدعوين.
12 -التوازن بين المتطلبات العقلية والروحية والجسمية, في البيت, والشارع, والميدان, والمدرسة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشارك أهله، ويقود الجيش, ويقوم الليل, وهكذا في جميع الأمور، فلنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. وينبني عليه عدم الغلو أو التقصير, أو الإفراط أو التفريط، كما قال تعالى عن صفات عباده: (( وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) ) [الفرقان:67] . فيجتنب الإفراط والتفريط في الدعوة، فلا يقصر ولا يتجاوز الحد، والطريق الوسط هو المطلوب في جميع الأمور، وكما نعلم أن خير الأمور أوساطها.
وهذه قاعدة عظيمة: - أعني التوازن - فلا يسرف على نفسه في جانب ويهمل جانبًا آخر، كمن يحرص على الدعوة، ويهمل كثيرًا من السنن، أو يدعو الآخرين وينسى أسرته، أو يهتم بطلب العلم والقراءة متناسيًا صلاته وخشوعه ودعاءه وقراءته، وهكذا.
13 -أن يصفي الداعية والمربي قلبه من كل شائبة فيكون شعاره العميق في نفسه: (المحبة) المحبة للآخرين، يحب الخير لهم، ويكره الشر أن يصيبهم، يحب ولا يبغض، محبة يظهر أثرها على أقواله، ويتصورها الناظر في أفعاله.
وأن يجلي المربي والداعية هذه المحبة في علاقاته مع الآخرين سواء حال الدعوة، أو حال التعامل العام فلا يفصل بين سلوك وآخر، ولا بين حال وأخرى, وأن يتمثل تلك المحبة برنامجًا عمليًا في حياته فيكون خلقًا له لا تخلقًا ولا تصنعًا، وأن يدلل على محبته لهم فيما يظهر عليه من سلوك وتصرفات، ولا يبتغي من وراء ذلك جزاءً ولا شكورًا إلا من الله سبحانه وتعالى. فليعي هذا المربون والدعاة.
14 -أن لا يناقض قوله فعله: من المهم للداعية أن لا يكون ممن يأمرون الناس بالبر وينسون
(1) شرح صحيح مسلم، للإمام النووي، (المجلد الأول) ، 1/ 100.