فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 90

أنفسهم, فإن هذه خصلة ذميمة قال تعالى: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) ) [الصف:3] , وكما أنكر تعالى على بني إسرائيل: (( أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) ) [البقرة:44] , فالتناقض بين القول والفعل علامة على ضعف المحبة لله تعالى ولرسوله عليه الصلاة والسلام.

15 -اختيار أقوى الطرق تأثيرًا إلى قلب المدعو وقد أشير إلى بعضها في هذه الآية الكريمة، قال تعالى: (( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) ) [النحل:125]

فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق, ولين, وحسن خطاب، كما قال تعالى: (( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) ) [العنكبوت:46]

16 -العمل بالحكمة بمعرفة المكان والزمان والحال التي يمارس فيها الدعوة، فالحكمة وضع الشيء في موضعها، فكل ذلك يعين على نجاح دعوته، والسير فيها سيرًا حسنًا. وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بها، فقال تعالى: (( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ) [النحل:125] .

ومن الحكمة: اختيار الوقت المناسب للدعوة، وهذا ما نجده في قصة يوسف حين جاءه الفتيان وقصا عليه رؤياهما واستفسرا التعبير, فاغتنم الفرصة ودعاهما إلى التوحيد والبراءة من الشرك قبل أن يخبرهما بالتعبير. قال تعالى: (( وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَاسِي خُبْزًا تَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَاوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّاتُكُمَا بِتَاوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) ) [يوسف:37] .... إلى أن قال: (( يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ) [يوسف:40] , لما فرغ من الدعوة إلى التوحيد أخبرهما بتعبير رؤيا هما, فقال: (( يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَاسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ) ) [يوسف:41] .

ومنها: اختيار المكان المناسب للدعوة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يختار المسجد لتوجيه الصحابة إلى الخير, فيختار الداعية لدعوته المسجد, أو مكانًا هادئًا, بعيدًا عن الأسواق والشوارع التي فيها شغب وصخب ونحو ذلك.

ومنها: اختيار الموضوع المناسب للدعوة, لأن لكل فنٍ رجالًا, ولكل مقامٍ مقالًا, فيختار الموضوع المناسب للمقام, حتى لا يثقل على المدعوين, وبالتالي يفقد استجابتهم لكلامه.

ومنها: مراعاة أحوال المدعوين, هل هم الجمهور من العوام, أو النخبة المثقفة منهم، أو من الطلاب, أو الطالبات, أو الأطباء, أو الدعاة وهكذا. فيلزم الداعية إعطاء كل ذي حق حقه، في نوعية الخطاب والكلام، فالرجال يختلفون عن النساء، والصغار يختلفون عن الكبار، وهكذا.

ومنها: تنوع البرامج: البرامج الدعوية إذا كانت على نمط واحد فإن المدعو قد يمل، لذا لا بد من تقديم البرامج المتنوعة، إذا كانت البرامج متنوعة تشد انتباه المستمعين، وتترك أثرًا عميقًا في قلوبهم ومن ثمّ على سلوكهم. وأن تكون على فترات متباعدة مخافة السآمة كما جاء في الحديث عَن أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ الله يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ, فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِن ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ, وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا [1] .

قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث: الِاقْتِصَاد فِي الْمَوْعِظَة, لِئَلَّا تَمَلّهَا الْقُلُوب فَيَفُوت مَقْصُودهَا [2] .

ومنها: تقدير المصالح والمفاسد الشرعية، فيعمل للمصالح وتكثيرها، ويدرأ المفاسد ويقللها. وهذه قاعدة عظيمة من قواعد الشرع، وأصل عظيم من أصوله، فيتنبه إليه.

وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأشياء مراعاة المصلحة العامة، فعلى سبيل المثال هدم الكعبة وبناؤها من جديد على قواعد إبراهيم عليه السلام، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَن قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ [3] الحديث.

(1) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب: من جعل لأهل العلم أيامًا معلومةً, برقم: (70) ، وصحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب: الاقتصاد في الموعظة برقم (2821) .

(2) شرح صحيح مسلم للنووي، (المجلد السادس) (71/ 164) .

(3) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب: فضل مكة وبنيانها, برقم: (1583) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت