فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 90

ومنها الإيثار: وقد اختص الأنصار بهذه المنزلة الرفيعة، ومن أروع ما يحكي لنا التاريخ صورة خروج الأنصار للقيا إخوانهم من المهاجرين وترحابهم الغالي بهم وإيثارهم على أنفسهم، وتتجلى مظاهر الإيثار في تأمين السكن للمهاجرين، واقتسام الثمرة عليهم، وما قدموه من منائح والهدايا وغيرها، فمنهم من يعرض زوجاته على أخيه أيتهن أحب ينزل له عنها؛ فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع, فقَالَ سعد لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا فَأَقْسِمُ مَالِي نِصْفَيْنِ, وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقْهَا فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا, قَالَ: بَارَكَ الله لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ أَيْنَ سُوقُكُمْ. الحديث [1] .

وقد أثنى الله عليهم في قوله: (( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) [الحشر:9] . وغيرها من أعمال القلوب كالخوف والخشية والتجرد لله سبحانه وتعالى، والمراقبة والمحاسبة، والتوكل والرجاء، كل هذه ونحوها يربي الداعية نفسه وغيره عليها.

-التربية بالأخلاق: التربية على الأخلاق الطيبة من مطالب الدين, وقد استعمله النبي صلى الله عليه وسلم في تربية الصحابة، كالشجاعة والكرم والوفاء والصدق في القول، وعدم الكذب والخيانة والغدر وغيرها، فتربية المسلم على معاني الإسلام وصياغة سلوكه وفق هذه المعاني أمر ضروري، لا غنى للمسلم عنه, ومن ثم وجب على الداعي الاهتمام به وجعله في مقدمات ما يحرص عليه، وحفظ معاني الإسلام فقط دون أن تمس القلب لا يفيد في صلاح المسلم ولا في التقويم.

-التربية بالتعليم: لا يخفى علينا أنه حث القرآن الكريم المسلمين على التعليم, وحث النبي صلى الله عليه وسلم, بل لقد كان أول عمل قام به حين دخل المدينة هو بناء المسجد، ولم يكن دور المسجد مقتصرًا على العبادة، بل كان مركزًا لمختلف نشاطات المجتمع الإسلامي, فعلى سبيل المثال تدارس القرآن في المسجد, فقد جاء في الحديث عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ... وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِن بُيُوتِ الله يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِم السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُم الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُم الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ ... [2] .

فهذا يدل على فضل التماس العلم وتدارس كتاب الله, وأن يكون التدارس في جماعة من المسلمين، وأن يكون المكان هو المسجد.

ومما يدل على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالتعليم ما جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى

(1) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب إخاء النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين برقم: (3780) .

(2) قطعة حديث رواه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، برقم: (2699) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت