الله عليه وسلم ترك الخطبة ونزل لتعليم السائل. فعن حُمَيْد بْن هِلَالٍ قَالَ: قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ, قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! رَجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسْأَلُ عَن دِينِهِ لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ, قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ, فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي ممَّا عَلَّمَهُ الله, ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا [1] .
قال النووي: فِيهِ اِسْتِحْبَاب تَلَطُّف السَّائِل فِي عِبَارَته وَسُؤَاله الْعَالِم. وَفِيهِ تَوَاضُع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِفْقه بِالْمُسْلِمِينَ, وَشَفَقَته عَلَيْهِمْ, وَخَفْض جَنَاحه لَهُمْ. وَفِيهِ الْمُبَادَرَة إِلَى جَوَاب الْمُسْتَفْتِي وَتَقْدِيم أَهَمّ الْأُمُور فَأَهَمّهَا, وَلَعَلَّهُ كَانَ سَأَلَ عَن الْإِيمَان وَقَوَاعِده المُهِمَّة. وَقَد اتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَن جَاءَ يَسْأَل عَن الْإِيمَان وَكَيْفِيَّة الدُّخُول فِي الْإِسْلَام وَجَبَ إِجَابَته وَتَعْلِيمه عَلَى الْفَوْر [2] .
ومما يدل على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالتعليم أنه عرض على أسرى بدر من كفار قريش أن من أراد أن يفتدي نفسه بتعليم عشرة أطفال من المسلمين القراءة والكتابة فليفعل, فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِن الْأَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِدَاءٌ, فَجَعَلَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِدَاءَهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ, قَالَ: فَجَاءَ يَوْمًا غُلَامٌ يَبْكِي إِلَى أَبِيهِ, فَقَالَ: مَا شَانُكَ؟ قَالَ: ضَرَبَنِي مُعَلِّمِي. قَالَ: الْخَبِيثُ يَطْلُبُ بِذَحْلِ بَدْرٍ وَالله لَا تَاتِيهِ أَبَدًا [3] .
وهذا مما حفز الصحابة إلى طلب العلم طلبًا موصولًا في إقبالهم عليه, وحرصهم الشديد على التفقه في الدين, وملازمة النبي صلى الله عليه وسلم من أجل طلب العلم.
ولم يكن تلقي العلم قاصرًا على الرجال فحسب, بل للنساء سهم وافر فيه؛ إذ كان لهن يوم خاص يتلقين فيه تعاليم دينهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال: قَالَت النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِن نَفْسِكَ, فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ, فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِن وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِن النَّارِ, فَقَالَت امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: وَاثْنَتَيْنِ [4] .
(1) صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب: حديث التعليم في الخطبة، برقم: (876) .
(2) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الثاني، 6/ 165.
(3) مسند أحمد (1/ 247) .
(4) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب: هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم، برقم: (102) . وينظر كتاب: أسئلة النساء للنبي صلى الله عليه وسلم جمعًا ودراسةً، للكاتب.