وهذا سبب ضعف الأمة كما جاء في الحديث: عَن ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا. فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ؛ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ, وَلَيَنْزَعَنَّ الله مِن صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ, وَلَيَقْذِفَنَّ الله فِي قُلُوبِكُم الْوَهْنَ, فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ الله! وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» [1] .
فالقلب الذي فيه حب الدنيا يخلو من حب الله، يقول ابن القيم رحمه الله: «لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا، إلا كما يدخل الجمل في سم الخياط» [2] . ومن هنا يجب على الداعية أن يضع له منهجًا حتى لا تسيطر عليه الدنيا فتغلب عليه فينسى دعوته، وليس المراد أن يعيش فقيرًا ولكن بتوازنٍ كما في قوله تعالى: (( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) ) [القصص:77] .
-العجز والكسل: والكسل هو التثاقل والتراخي مما ينبغي مع القدرة, أو عدم انبعاث النفس لفعل الخير، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعوذ منهما كما جاء في الحديث: عن أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قال: كَانَ نَبِيُّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ, وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ, وَأَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ الْقَبْرِ, وَأَعُوذُ بِكَ مِن فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ [3] .
ومما يعين على تجاوز الكسل والعجز أن يضع الداعية لنفسه برنامجًا يسير عليه، ولا يسمح لنفسه أن يتركه أو يتراخى عنه، مع كثرة الدعاء، ومجالسة الجادين من الدعاة النشيطين، والعلماء الراسخين.
-الفراغ: إن الفراغ سبب رئيس للعجز والكسل, وبالأخص للشباب, كما يقول الشاعر:
إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة
فلذا يلزم الداعية أن يملأ فراغه في برامجه الدعوية, والاستعداد لمتطلباتها, مثل طلب العلم, وحفظ القرآن والأحاديث والأذكار والأدعية وغيرها، والعبادة بمختلف أنواعها, والقيام بأعمال صالحة مثل صلة رحم، أو قضاء حاجة الآخرين, فالله في عون العبد ما دام في عون أخيه, كما جاء في الحديث: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) [4] .
(1) سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب: في تداعي الأمم على الإسلام، برقم: (4297) .
(2) كتاب الفوائد لابن القيم, ص:129.
(3) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب: التعوذ من فتنة المحيا والممات، برقم: (6367) .
(4) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، برقم: (2699) .