والدافع لشغل الفراغ سببان: الخوف من مفاجأة الموت، أو الابتلاء بالعوائق المقعدة كالمرض. يقول الشاعر:
اغتنم في الفراغ فضل ركوع فعسى أن يكون موتك بغتة
كم صحيح رأيت من غير سقم ذهبت نفسه الصحيحة فلتة
وخير من قول الشاعر قول النبي صلى الله عليه وسلم: فعن اِبْن عَبَّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظهُ: «اِغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْل خَمْس, شَبَابك قَبْل هَرَمك, وَصِحَّتك قَبْل سَقَمك, وَغِنَاك قَبْل فَقْرك, وَفَرَاغك قَبْل شُغْلك, وَحَيَاتك قَبْل مَوْتك» [1] .
وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِر الصَّبَاحَ, وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِر المَسَاءَ, وَخُذْ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ, وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ [2] .
قال الحافظ: «فيه التَّحْذِير فِي حَقّ مَن لَمْ يَعْمَل شَيْئًا, فَإِنَّهُ إِذَا مَرِضَ نَدِمَ عَلَى تَرْكه الْعَمَل, وَعَجَزَ لِمَرَضِهِ عَن الْعَمَل فَلَا يُفِيدهُ النَّدَم» [3] .
وعَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِن النَّاسِ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ [4] .
فصار لزامًا على الجميع وبالأخص على الدعاة أن يشغلوا فراغهم كله لما يعود عليهم من الخير.
-مصاحبة المبطئين والمعوقين: إن الإنسان يتأثر بمن يصاحبه كما جاء في الحديث: المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ, فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَن يُخَالِطُ. وَقَالَ مُؤَمَّلٌ: مَن يُخَالِلُ [5] .
أيضا عَن أَبِي مُوسَى رَضِيَ الله عَنْهُ عَن النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ: كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ, وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ, وَإِمَّا أَنْ
(1) المستدرك على الصحيحين للحاكم، 4/ 306. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وَأَخْرَجَهُ اِبْن الْمُبَارَك فِي الزُّهْد بِسَنَدٍ صَحِيح مِن مُرْسَل عَمْرو بْن مَيْمُون. ينظر: فتح الباري، 11/ 235.
(2) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب: قول النبي: «كن في الدنيا كأنك غريب» ، برقم: (6416) .
(3) فتح الباري شرح صحيح البخاري، 11/ 235, بتصرف.
(4) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب: لا عيش إلا عيش الآخرة، برقم: (6412) .
(5) مسند أحمد (2/ 303) .