-التوازن بين الدعوة والمتطلبات الأخرى:
من القواعد الشرعية أن جميع أعمال العبد تصير عبادةً بنية التعبد لله عز وجل، ولذلك علَّمنا الرسول بأن نهتمّ بجميع الأمور التي تحتاجها الأمة، وندعو الله العافية والحسنة في هذه الدنيا وفي الآخرة، في الحديث عَن أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً, وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً, وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [1] .
يقول ابن حجر: «قَالَ عِيَاض: إِنَّمَا كَانَ يُكْثِر الدُّعَاء بِهَذِهِ الْآيَة لِجَمْعِهَا مَعَانِي الدُّعَاء كُلّه مِن أَمْر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة, قَالَ: وَالْحَسَنَة عِنْدهمْ هَاهُنَا النِّعْمَة, فَسَأَلَ نُعَيْم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْوِقَايَة مِن الْعَذَاب, نَسْأَل الله تَعَالَى أَنْ يَمُنّ عَلَيْنَا بِذَلِكَ وَدَوَامه» [2] .
وَقَالَ الشَّيْخ عِمَاد الدِّين اِبْن كَثِير: «فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر، فإن الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا تَشْمَل كُلّ مَطْلُوب دُنْيَوِيّ؛ مِن عَافِيَة, وَدَار رَحْبَة, وَزَوْجَة حَسَنَة, وَرِزْق وَاسِع, وَعِلْم نَافِع, وَعَمَل صَالِح, وَمَرْكَب هَنِيء, وَثَنَاء جَمِيل إِلَى غَيْر ذَلِكَ, مِمَّا شَمِلَتْهُ عِبَارَات المفسرين، ولا منافاة بينها، فَإِنَّهَا كُلّهَا مُنْدَرِجَة فِي الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا, وَأَمَّا الْحَسَنَة فِي الْآخِرَة: فَأَعْلَاهَا دُخُول الْجَنَّة, وَتَوَابِعه مِن الْأَمْن مِن الْفَزَع الْأَكْبَر فِي الْعَرَصَات, وَتَيْسِير الْحِسَاب, وَغَيْر ذَلِكَ مِن أُمُور الْآخِرَة, وَأَمَّا الْوِقَايَة مِن عَذَاب النَّار فَهُوَ يَقْتَضِي تَيْسِير أَسْبَابه فِي الدُّنْيَا مِن اِجْتِنَاب الْمَحَارِم والآثام وَتَرْك الشُّبُهَات والحرام» [3] .
كما جمع النبي صلى الله عليه وسلم مسألة صلاح الدين والدنيا في أدعية كثيرة، منها هذا الدعاء المروي عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: اللهمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي, وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي, وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي, وَاجْعَل الحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ, وَاجْعَل المَوْتَ رَاحَةً لِي مِن كُلِّ شَرٍّ [4] .
فعلى الداعي أن يوجد توازنًا بين الدعوة وأمور الدنيا، فإن أهمل الدعوة خسر الآخرة، وإن أهمل الدنيا فلعله يبتلى بفقر مدقع فلا يصبر، والأمر بينهما.
-الاتصال بالقرآن: قراءةً وحفظًا وتعلُّمًا ونشرًا وتفسيرًا، فالقرآن العظيم كتاب الله تعالى أنزله
(1) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، برقم: (6389) .
(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، 11/ 192.
(3) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، 1/ 355 - 356.
(4) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، برقم: (2720) .