الصفحة 16 من 35

قال القرطبي رحمه الله تعالى ما محصله: (فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر ؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال الله عز وجل: ?إنَّكُمْ إذًا مِّثْلُهُمْ? فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية..

وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بينا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى (1)

وروى جويبر عن الضحاك قال: (دخل في هذه الآية كل محدث في الدين مبتدع إلى يوم القيامة) (2) وقال القرطبي أيضًا رحمه الله تعالى عند قول الله تعالى: ? وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ? ، ومضى في النساء، وهذه السورة النهي عن مجالسة أهل البدع والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم فقال: ?وإذَا رَأَيْتَ الَذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا? الآية، ثم بين في سورة النساء، وهي مدنية. عقوبة من فعل ذلك وخالف ما أمر الله به فقال: ? وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَاب? الآية، فألحق من جالسهم بهم.

وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة، وحكم بموجب هذه الآيات في مجالس أهل البدع على المعاشرة والمخالطة منهم: أحمد بن حنبل والأوزاعي، وابن المبارك، فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع، قالوا: ينهى عن مجالستهم فإن انتهى وإلا ألحق بهم، يعنون في الحكم) (3)

وقال الشوكانى رحمه الله تعالى: (وفي هذه الآية باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب:

(1) ذكر قول الكلبي في نسخها وأن قول عامة المفسرين أن هذه الآية محكمة.

(2) تفسير القرطبي 5 /418.

(3) تفسير القرطبي 7 /142 وبحثه مطولًا من 7 / 137، 142.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت