لما ذَرَّ قرن الفتنة بكسر قفلها، وقتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وبدأ المندسون يبدون ما كانوا يضمرون من كيد للإسلام والمسلمين، أخذوا ينفخون في كير الفتنة، وينشرون الهوى وينفثون البدعة، بدع: القدر، والخوارج والرفض، والإرجاء، وهكذا تتوالى، كلما بعد الناس من عهد النبوة وأنوارها، حتى داخلت البدع والمحدثات شعائر التعبد وصارت مفرداتها كحَب منثور في كف كل لاقط.
لما كان الأمر كذلك واجه العلماء رضي الله عنهم فمن بعدهم هذه المحدثات العقدية والعملية، بإيمان مستكمل، وعلم جم، وبصيرة نافذة فأظهروا من أنوار الشريعة الماحية لظلمة الضلال ما اكتسح هذه الأهواء، وقضى على نابتها، وأعملوا فيهم العقوبات الشرعية، حتى قلموهم، وأجهزوا على محدثاتهم في الدين، وكان الزجر بالهجر مما وظفوه رضي الله عنهم في حياتهم العملية ضد البدعة ومبتدعيها تأسيسًا على قاعدة (الولاء والبراء) والحب لله والبغض لله.
ومازال هذا النهج السوي شارعًا في حياة الأمة يعتمدونه في مواجهة المبتدعة، مدونًا بأسانيده في كتب السنة، وهذه جملة من المرويات في هذه الوظيفة الشرعية بخصوصها عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم:
* فهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما أخبره يحيى بن يعمر عن القدرية قال: (إذا رجعت إليهم فقل لهم: ابن عمر يقول لكم: إنه منكم بريء، وأنتم منه براء) رواه مسلم وغيره (1)
* وعن مجاهد قال: قيل لابن عمر: إن نجدة يقول كذا وكذا؛ فجعل لا يسمع منه كراهية أن يقع في قلبه منه شيء (2) .
(1) صحيح مسلم 1/ 27، مصنف عبد الرزَّاق 11/ 114 برقم: 20072.
(2) اللالكائي برقم 199.