الصفحة 4 من 19

وهذا التعريف اللغويّ للعقل يُوضِّح مراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من قوله (عَقَلْنَاها) , في قوله (إنَّ الله قد بَعَثَ محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - بالحقِّ, وأنزلَ عليه الكتاب , فكان ممَّا أنزلَ عليه آيةَ الرَّجْمِ؛ قرأناها, ووَعَيْنَاها, وعَقَلْنَاها) ، وعَقَلْنَاهَا أي فهمناها , وضبطناها, وأمسكناها، فما سُمِّي العقل عقلًا إلاَّ لأنَّه يُمسك ما عَلِمَه, ويضبطه , ويفهمه؛ فيُقال: عَقَلَ الشيءَ , إذا فَهِمَهُ, فهو عَقُولٌ، وعَقَلَ الشيءَ , إذا عَلِمَهُ, أو عَلِمَ صفاتِه؛ من حسنٍ وقُبح, وكمالٍ ونقصان, فأمسكها, وأمكن أن يُميِّز بين القبيح والحسن, والخير والشرّ، فالعاقل خلاف الجاهل؛ يحبس نفسَه , ويمنعها عما يُوبقها, ويردّها عن هواها , ويُمسك ما يعلمه , ويُميِّز بين ما ينفعه وما يضرّه, في عاجله وآجله. (1)

تنوَّعت التعريفات الاصطلاحية في العقل واختلفت, وأغلبها عليه ملاحظات وأفضلها: تعريفُ يشتمل على أربعة معانٍ قيلت في العقل , لا ينفكّ واحدٌ منها على الآخر, متى فُقد واحدٌ منها , قيل صاحبه: ليس له عقلٌ:

المعنى الأوَّل: الغريزة التي في الإنسان , والتي يمتاز بها عن سائر الحيوان؛ فبها يعلم , وبها يعقِل , وبها يُميِّز, وبها يقصد المنافع دون المضارّ،

يقول أبو حامد الغزالي: إنَّه الوصفُ الذي يُفارق الإنسان به سائر البهائم , وهو الذي استعدّ به لقبول العلوم النظريَّة , وتدبير الصناعات الخفيَّة الفكريَّة، ويقول الماوردي: فالغريزيّ هو العقل الحقيقيّ , وله حدٌّ يتعلَّق به التكليف , لا يُجاوزه إلى زيادة ولا يقصُر عنه إلى نقصان, وبه يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان، ويقول الحارث بن أسد المحاسبيُّ: فأمَّا هو في المعنى والحقيقة لا غيره , فهو غريزة وضعها الله سبحانه في أكثر خلقِهِ , لم يطلع عليها العباد بعضهم من بعض, ولا اطلَّعوا عليها من أنفسهم برؤيةٍ , ولا بحسّ , ولا ذوقٍ , ولا طعمٍ، وإنَّما عرَّفهمُ الله إيَّاه بالعقل منهم؛ فبذلك العقل عرفوه , وشهدوا عليه بالعقل الذي عرفوه به من أنفسهم , بمعرفة ما ينفعهم , ومعرفة ما يضرُّهم.

فبإمكان العباد أن يطّلعوا بعقولهم على هذه الغريزة؛ أهي موجودة عند فلانٍ أم لا , فإذا رأوا من أفعاله ما يدلُّهم على أنَّه قد عَرَف ما ينفعه وما يضرّه في دنياه , سمّوه عاقلًا , وشهدوا له أنَّ له عقلًا, وأنَّه لا مجنون, ولا تيَّاه, ولا أحمق، قال ابن القِرِّيَّة: الرجالُ ثلاثةٌ: (عاقلٌ , وأحمق, وفاجر) ، فالعاقل إنَّ كُلِّمَ أجاب, وإن نَطَقَ أصاب , وإن سَمِعَ وَعَى، والأحمقُ إنَّ تكلَّم عَجِلَ, وإن تحدّث وَهِلَ , وإن حُمِلَ على القبيحِ فَعَلَ، فمن ميَّز بين ما ينفعه وما يضرّه, فهو عاقلٌ، يقول أحد الشعراء معدِّدًا بعضَ الصفات التي يُستدلُّ بها على عقل العاقل:

يُعْرَفُ عقلُ المرءِ في أربعٍ،،،،،،،،،، مِشْيَتُهُ أوَّلُها, والحَرَكْ

ودَوْرُ عَيْنَيْهِ, وألفاظُهُ،،،،،،،،،،،،،،،،، بعدُ عليهِنَّ يدور الفَلَكْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت