فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان ينادمهم في الجاهلية، فقال: بابني قريظة، قد عرفتم ودِّي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم. فقالوا: قل، فلست عندنا بمتهم. فقال: إن قريشًا وعطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، ولا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا.
ثم خرج حتى أتى قريشًا، فقال لهم: قد عرفتم ودّي لكم معشر قريش وفراقي محمدًا، وقد بلغني أمر أرى من الحقّ أن أبلغكموه نصحًا لكم، فاكتموا عليَّ، قالوا: نفعل. فقال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما كان من خذلانهم محمدًا، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ من قريش وعطفان رجالًا من أشرافهم فنعطيكم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقى حتى نستأصلهم.
ثم أتى غطفان، فقال مثل ذلك.
فلما كان ليلة السبت، وكان ذلك من صنع الله عز وجل لرسوله والمؤمنين، أرسل أبو سفيان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وعطفان يقول لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخفٌّ والحافر، فاغدوا صبيحة غد للقتال حتى نناجز محمد فردّوا عليهم: إن اليوم يوم سبت، وقد علمتم ما نال منّا من تعدّي في السبت، ومع ذلك لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا
فلما رجع الرسول بذلك قالوا: صدقنا والله نعيم بن مسعود. فردوا إليهم الرسل: والله لا نعطيكم رهنا أبدا، فاخرجوا معنا أن شئتم وإلا فلا عهد بيننا وبينكم، فقال بنو قريظة: صدق والله نعيم بن مسعود.
وخذل الله بينهم، واختلفت كلمتهم، وبعث الله ريحًا عاصفًا في ليال شديدة البرد، فجعلت الريح تقلب آنيتهم وتكفأ قدورهم [1]
(1) تفسير القرطبي: ج 14، ص 136،137