ولعلّ كثيرًا من القرّاء يتّفق معي في الرأي حول وجود هذه الظواهر، ويرى أنّها نشاز في التعامل مع القرآن الكريم: حفظًا، وتدبّرًا، وتأدّبًا وعملًا ..
ولكنّ السؤال المهمّ: هل يتناسب الاهتمام بحفظ القرآن الكريم وتجويده مع الاهتمام بغرس أخلاقيّات القرآن، والتعامل الصادق مع مبادئه وقيمه.؟ وهل تلاحظ ذلك الجمعيّات الخيريّة، والمؤسّسات القرآنيّة.؟ وما تفسيرها لهذه الظواهر.؟ وأين يكمن الخلل في عملها، وهي تنفق جهودًا مضنية في تحفيظ القرآن، وتتنافس فيما بينها لتخريج أكبر عدد ممكن من الحفّاظ عامًا بعد عام.؟!
إنّ الخلل يكمن في البعد عن منهج السلف في حفظ القرآن الكريم، وتلقينه وتلقّيه .. هذا المنهج الذي كان بيّنًا واضحًا منذ عهد الصحابة - رضي الله عنهم - إلى عهد التابعين، وإلى عهد تابعيهم، ثمّ تراخى الناس في الالتزام بالطريقة المثلى لحفظ القرآن الكريم، وتلقينه وتلقّيه .. وغلب النظر إلى الكمّ والمظهر على حساب النوعيّة والكيف، ووقع ما حذّر منه المصطفى أمّته من أقوام يتلون القرآن لا يجاوز حناجرهم ..
وقد حَدّثَنا الإمامُ عبدُ اللهِ بنُ حبيبٍ، أبو عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيّ رحمهُ اللهُ عن طريقة السلف في تلقّي القرآن الكريم وتلقينه فقَالَ:"حدّثَنا الذينَ كَانُوا يُقرِئُونَنا القُرآنَ، كعُثمانَ بنِ عَفّانَ، وعبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، وغيرِهما - رضي الله عنهم -، أنّهُم كَانُوا إذا تَعلّمُوا مِنَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَشرَ"