أنت يا من رزقه الله مكانة ووجاهة، اعلم أن زكاتها الشفاعة والإعانة للمحتاجين، على أن لا يبخس بها حق الآخرين، فإن الشفاعات من أعظم العبادات إذا قصد بها وجه الله عز وجل.
كتب الحسن بن سهل كتاب شفاعة فجعل الرجل يشكره، فقال الحسن: يا هذا علام تشكرنا؟ إنا نرى الشفاعات زكاة مروءتنا، ثم أنشد، يقول:
فُرضت عليّ زكاةُ ما ملكت يدي ... وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا.
فإذا ملكت فجد فإن لم تستطع ... فأجهد بوسعك كله أن تنفا.
ولكن يتأكد هنا التركيز والتنبيه دائمًا على المنهج الشرعي في مسألة الشفاعة والتوسط للآخرين، وهذا مما يخلط فيه الكثير من الناس، والتحقيق أنه إن ترتب على ذلك ضياع حق لأحد أو نقصانه أو حرمان من هو أولى وأحق بتعيين أو قبولٍ مثلًا، الشفاعة هنا محرمة يأثم صاحبها؛ لأنه ظلم لمن هو أحق بها، وظلم لأولي الأمر وذلك بحرمانهم من عمل الأكفاء وخدمته لهم ومعونته إياهم على النهوض بمرفق من مرافق الحياة واعتداء على الأمة بأكملها بحرمانها ممن ينجز أعمالها ويقوم بشؤونها في هذا الجانب على خير حال، ثم أن الشفاعة في مثل هذا تولد الضغائن والضنون السوء ومفسدة للمجتمع، ويشتد الأمر ويعظم إذا كانت الشفاعة في حد من حدود الله، فمتى وصلت القضية لولي الأمر أو من ينوبه من مراكز الشرط أو المحاكم وغيرها فلا يجوز لأحد أن يشفع أو يتدخل، وإذا لم يترتب على الوساطة ضياع حق لأحد أو نقصانه فهي جائزة بل مرغب فيها شرعًا ويؤجر عليها الشفيع إن شاء الله، فقد أخرج البخاري _ رحمه الله _ أن النبي