الصفحة 132 من 150

المكلفين بالمواعظ، وشرفهم بالمواعظ، ولأن الحاجة إلى الطعام والشراب مقيدة والحاجة إلى المواعظ غير مقيدة، ولأن الحاجة إلى الطعام والشراب عامة للعقلاء وغير العقلاء وللمكلفين وغير المكلفين، والحاجة إلى المواعظ خاصة بالعقلاء والمكلفين، والحاجة إلى الطعام والشراب للأبدان والحاجة إلى المواعظ للقلوب، وميزان العبد وميزان العمل بالقلب وليس بالبدن؛ لأن الله لا ينظر إلى الأبدان ولا إلى الصور والأموال، ولكن ينظر إلى القلوب، ولأن العبد السمين يأتي يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضه، وليست الحاجة للصحة أشد؛ لأن الله يعطي الصحة من يحب ومن لا يحب، وقد تكون عند الأعداء أكثر من الأنبياء ومن الأولياء، يقول: (( أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل ) )، ويقول: (( إذا أحب الله قومًا ابتلاهم ) )، ويقول: (( من يرد به خيرًا يصب منه ) ).

دخل على رسول الله أعرابي فقال له: (( هل أَخَذَتْكَ أُمُّ مِلْدَمٍ قط؟ ) )قال: وما أُمُّ مِلْدمٍ؟ قال: (( حَرٌّ يكون بين الجلد واللحم ) )، قال: ما وجدت هذا قط، قال: (( فهل أخذك الصُّداع؟ ) )قال: وما الصداع؟ قال: (( عرق يضرب على الإنسان في رأسه ) )، قال: ما وجدت هذا قط، قال: (( من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا ) ).

ولست كالحاجة إلى المال لأنه فتنة، حلاله حساب، وحرامه عقاب، يقول - تعالى: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن: 15] . ولأن النبي لم يخش علينا الفقر، وإنما خشي علينا كثرة المال، يقول: (( ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا ) )، ولأن الرزق يطلب العبد كما يطلبه أجله، يقول: (( لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت