والموعظة وظيفة الرسل - عليهم السلام -، دعوا بها الناس وأرشدوهم وهدوهم إلى الصراط المستقيم، ففتح الله بها قلوبًا غلفا وآذانًا صما وأعينًا عميا، وبها دخل الناس في دين الله أفواجا، وبها انتشر الإسلام إلى بيت كل مدر ووبر، وظهر بها الإسلام على جميع الأديان، يقول الله - تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية: 21، 22] ، ويقول: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] ، ويقول العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: (( أوصيكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ) )، قال ابن مسعود: كان رسول الله يتخولنا بالموعظة بين الحين والحين.
والموعظة مفتاح لقلوب المؤمنين ونور لصدورهم وحماية لفطرتهم، ينتفعون بها ولا ينتفع بها غيرهم، وتثمر في حياتهم ولا تثمر في حياة غيرهم، جمعهم الله بها بعد فرقة، وأعزهم بها بعد ذلة، وقواهم بها بعد ضعف، ونصرهم بها بعد هزيمة، وجلت بها القلوب واستقامة ووعت وعملت، وذرفت بها العيون وسلمت من عذاب الله، (( عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) )، واقشعرت بها الجلود فلانت وانقادت وخضعت، وكان بها المؤمنون خير أمة أخرجت للناس؛ لأن نفعهم نفع متعد وليس نفعًا لازمًا، ولأنهم يحبون لغيرهم ما يحبونه لأنفسهم، ولأنهم يعلمون أن من دعا إلى هدى فله مثل أجور من دعاهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، والدال على الخير كفاعله، يقول الله - تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: 55] ، ويقول: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى [الأعلى: 9 - 11] . وفي غزوة بدر قال لأصحابه وهم يقاتلون عدوهم: (( قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) )، قال