ولأجل أننا نزداد من الرهبة، ولنأخذ لأمرنا الأهبة: فلنعلم أن هذا البرد الذي يعتادنا إنما هو حكمة أحكم الحاكمين ومن رحمة أرحم الراحمين بنا وبنار الآخرة، أما وجه الرحمة بنا فإن البرد شدة وما يصيبنا منه مصيبة يكفر الله بها الذنوب.
وأما وجه الرحمة من الله بالنار فلما روى البخاري [3] ومسلم [4] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير) .
وهذا البرد إذًا يذكرنا بالنار وأن عذابها شدة حرارة وشدة برودة، كما أنه يذكرنا بنعمة الله علينا في هذه النار في الدنيا: (أَفَرَأَيْتُمْ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَاتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) .
ومع حدوث هذه البرودة في الجو وتأثيرها على كل كائن حي، فإن الله برحمته وحكمته لم يجعل هذا البرد يأتي بغته بعد حرارة الجو مباشرة أو بوقت قصير بل كما قال ابن القيم - رحمه الله: (فكر في دخول أحدهما - أي البرد والحر - على الآخر بالتدريج والمهلة حتى يبلغ نهايته، ولو دخل عليه مفاجأة لأضر ذلك بالأبدان وأهلكها وبالنبات، كما لو خرج الرجل من حمام مفرط الحرارة إلى مكان مفرط في البرودة) [5] أ-هـ.
ومع هذا التدرج الذي ركبه الله في تعاقب فصلي الشتاء والصيف إلا أن كثيرًا من الأبدان لا تتحمل البرد لا سيما في أول مجيئه، ولذا قال علي - رضي الله عنه: (توقوا البرد في أوله وتلقَّوه في آخره) وقال أبو عوانة: (الشتاء أوله أضرُّ منه في أخره) [6] .