إليه، مع إدراك ورده من القرآن، فيكمل له مصْلحة دينه، وراحة بدنه، ويروى عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال:"مرحبًا بالشتاء؛ تنزل فيه البَرَكة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصِّيام، وعن الحسن قال: نِعْمَ زمانُ المؤمن الشتاءُ؛ ليله طويل يقومه، ونهاره قصيرٌ يصومه"، وعن عبيد بن عمير أنه كان إذا جاء الشتاء قال:"يا أهل القرآن، طال ليلكم لقراءتكم، فاقرؤوا، وقصر النهار لصيامكم، فصُومُوا".
وهذا الكلام موجَّه إلى المؤمنين بالله وباليوم الآخر، الذين يتأدَّبون بآداب النبوة، ويعملون بالقرآن والسُّنَّة، وقد مدح الله المؤمنين القائمين المتهَجِّدين في الليل بقوله: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات:17، 18] ، وبقوله: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [السجدة:16] ، وبقوله: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر:9] .
وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنَّ صلاة الرجل في جوف الليل تطفئ الخطيئةَ كما يطفئ الماءُ النارَ [1] ، وأنَّ الله - تعالى - يَنْزِل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: (( مَن يدعوني فأستجيبَ له؟ من يسألني فأعطيه؟ مَن يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر ) ) [2] .
وهذه الفضائل محرومٌ منها أكثرُ الناس اليوم، الذين يسهرون أمام الملاهي إلى نصف الليل، ثم ينامون عن صلاة الفجر، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكره النوم قبل صلاة العشاء، والحديثَ بعدها، إلا في خيرٍ، وفي الحديث: (( لا سمر إلا لثلاثة: مصلٍّ، أو مسافر، أو عروس ) ) [3] ، وقيام ليل الشتاء يعدل صيامَ نهار الصيف في الفضل العظيم، والثواب الجسيم؛ ولهذا