الصفحة 99 من 150

الْجِسْم وَنَحْو ذَلِكَ وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا الْمَكَارِهَ لِمَشَقَّتِهَا عَلَى الْعَامِلِ وَصُعُوبَتِهَا عَلَيْهِ ولذلك أُمِرَ الْمُكَلَّفُ بِمُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ وأنت ترى أن مما يكرهه الشخص وَيَشُقُّ عَلَيْهِ أن يَتوَضَّأُ مَعَ بَرْدٍ شَدِيدٍ وَعِلَلٍ يَتَأَذَّى مَعَهَا بِمَسِّ الْمَاءِ. فمن علم ذلك هانت عليه مشقة القيام من النوم للوضوء والقيام بين يدي الرب جل في علاه وترك لذة الفراش الدافىء إلى لذة الصلاة ومناجاة العليم الخبير بل صارت المشقة والألم الحاصل في الوضوء عند البرد لذة لا تعدلها لذة. مع التنبيه على أنّ بعض أهل العلم ذكروا أنّ"تسخين الماء لدفع برده ليقوي على العبادة لا يمنع من حصول الثواب المذكور". كانوا كثيرا من الليل ما يصلون إنّ الشتاء أمره عجيب لمن تذوق طعم العبادة فيه وقد ذكر الله - تعالى -من أوصاف أهل الجنة أنهم"كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ" [سورة الذاريات: 17]

ومما يدخل الجنّة بسلام الصلاة بالليل والنّاس نيام. وقد كان العابد منهم كالنجم الساطع في ليالي الشتاء وضّاءً منيرًا ولهذا أثُِر عن غير واحد من السلف عند مشهد الاحتضار أنهم يبكون قيام ليالي الشتاء: ومنها أنه لما احتضر أحد السلف بكى فقيل له: أتجزع من الموت وتبكي. فقال: ما لي لا أبكي ومن أحق بذلك مني؟ والله ما أبكى جزعًا من الموت، ولا حرصًا على دنياكم، ولكني أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء. وجاءت هذه القصة عن عدد السلف. وقال معضد:"لولا ثلاث: ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ولذاذة التهجد بكتاب الله ما باليت أن أكون يعسوبًا". وليس هذا بغريب فإنّ في العبادة لذة لا يعلمها إلاّ الله ومن فقدها فهو محروم قال عبد الله بن وهب:"كل ملذوذ إنّما له لذة واحدة إلاّ العبادة فإنّ لها ثلاث لذات: إذا كنت فيها، وإذا تذكرتها، وإذا أعطيت ثوابها". وأحسبهم - رحمهم الله - ذاقوا اللذة الأولى والثانية وأسال الله أن لا يحرمنا وإيّاهم الثالثة. وكانوا - رحمهم الله - يستثمرون الليل عمومًا وليل الشتاء على وجه الخصوص في طلب العلم. فكان أبو هريرة - رضي الله عنه - يقسّم ليله ثلاثة أقسام بين القيام والنوم وطلب العلم فعنه - رضي الله عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت