واحتجوا بالحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن جابر قال: (جيء بسارق إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال اقتلوه. فقالوا إنما سرق يا رسول الله، قال: اقطعوه، فقطعوه. ثم جيء به الثانية، فقال: اقتلوه، فذكر مثله، ثم جيء به الثالثة، فذكر مثله، ثم جيء به الرابعة كذلك، ثم جيء به الخامسة، فقال: اقتلوه، فقال: جابر: فانطلقنا به فقتلناه) . ولكن هذا الحديث استنكره النسائي، وقال: (الحديث منكر) . وقال: ابن عبد البر: (حديث القتل منكر) . بل إن النسائي قال: (لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا) .
ورأى البعض أن يكتفى بقطع الأطراف الأربعة، دون قتل في الخامسة مستدلين بالحديث الذي أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة (إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله. ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله) ، ولكن هذا الحديث في إسناده الواقدي، وقد أخرج الطبراني والدارقطني نحوه عن عصمة بن مالك، ولكن إسناده ضعيف.
وما أغرب ما رآه ابن قيم الجوزية في الموضوع حيث قال: (ثم تقطع في الثانية رجله فيزداد ضعفا في عدوه، فلا يكاد يفوت الطالب، ثم تقطع اليد الأخرى في الثالثة ورجله الأخرى في الرابعة، فيبقى لحما على وضم فيريح ويستريح) - أعلام الموقعين 2/ 126 - . ولا ندري كيف تصور أصحاب هذه الآراء أن الذي تقطع يداه ورجلاه مستريح في نفسه، ومريح لمجتمعه، ولا كيف تصوروا أنه يستطيع أن يسرق للمرة الرابعة أوالخامسة ...
وقد خالفهم في ذلك الحنفية فرأوا أن تقطع رجله في الثانية ويكتفي بالسجن فيما بعدها، وهو فعل علي رضي الله عنه فيما رواه عنه البيهقي أنه أتي إليه بسارق للمرة الثالثة بعد أن قطعت يده ورجله، فقال: (إني أستحيي من الله أن أقطع يده فبأي شيء يأكل؟، أو أقطع رجله، فعلى أي شيء يعتمد؟) وقد خالف علي في ذلك أبا بكر، مع أنهما معا صاحبا النبي - صلى الله عليه وسلم- وأخذا عنه.