ونحن نزيد على قول ابن تيمية: إن عمر لم يشهد ذلك سنة فقط، ولكن تلاه قرآنا عربيا غير ذي عوج، قال تعالى: ? فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا?النساء: 43?، فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج ?المائدة: 6.
على أننا إذا تقبلنا مفهوم القطع كما شرحناه آنفا، وهو أنه لا يفيد البتر والاستئصال، وإنما يفيد الجرح والخدش، أو قطع جزء من اليد، كما فعل الإمام علي كرم الله وجهه، أو أدنى من ذلك أو أكثر قليلا، زال الإشكال عن موضوعين أساسيين من قضايا السرقة:
أولهما: تعدد السرقة، وتعدد العقوبة تبعا لذلك، لأن إيقاع الألم بيد السارق بجرحها وخدشها، يمكن أن يتكرر في اليد الواحدة، إذا ما تكرر صدور السرقة من الشخص الواحد، كما أن قطع جزء من اليد (أصبع أو سلامية أو نحو ذلك) يتيح فرصة إقامة الحد على السارق عدة مرات في اليد الواحدة، إذا ما تكرر منه فعل السرقة.
ثانيهما: مشكلة تناسب العقوبة مع مقدار السرقة وخطورتها، وهو إشكال احتار فيه الفقهاء كثيرا، إذ لم يستطيعوا أن يقنعوا كثيرا من العامة، بتناسب عقوبة استئصال اليد مع سرقة شيء تافه، كأترجة أو مجن قيمة كل منهما ثلاثة دراهم، أو حتى خمسة دنانير. مما أدى ببعضهم إلى الاستهزاء بالفقهاء قائلا:
يد بخمس مئين عسجد وديت مابالها قطعت في ربع دينار
فطلبه الفقهاء لمعاقبته فهرب، فأجابه القاضي عبدالوهاب المالكي:
صيانة العضو أغلاها وأرخصها صيانة المال فافهم حكمة الباري
وهذا غير صحيح، لأن صيانة عرض المسلم ودمه وحرمته، أعظم عند الله من صيانة المال، وحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة.