لابد من حمل المطلق على المقيد كما هي طريقة الراسخين من أهل العلم [1] , ومن مقيداتها: حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم الصحيح: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه و حسابه على الله) فقوله: (وكفر بما يعبد من دون الله) تقييد لها بالكفر بالطاغوت, وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذي رواه البخاري: (أبشروا وبشروا من وراءكم أنه من شهد أن لا إله إلا الله صادقا بها دخل الجنة) وفيه تقييد لها بقيد الصدق أي الإخلاص, وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذي رواه البخاري - أيضا عن معاذ بن جبل: (حق الله على العباد أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئا) و فيه تقييد لها بقيد العمل بمقتضاها, قال فضيلة الشيخ أبو بصير: (و لشهادة التوحيد شروط لا يصح توحيد المرء إلا بها - دلت عليها نصوص الكتاب و السنة - لابد من استيفائها جميعا لمن أراد أن ينتفع بها يوم القيامة) [2] وقد ذكرها مستدلا عليها فانظرها في مظانها إن شئت, ومن هنا فمن قال لا إله إلا الله ولم يأت بشروطها كاملة أو أتى بما يناقضها من قول أو عمل فإنه يخرج من الملة ولو قالها ألف مرة و حج البيت و اعتمر ألف مرة, يقول شيخنا المقدسي - فك الله أسره: (وكذلك المرجئة تمسّكوا ببعض النصوص المتقدِّمة التي تبشِّر من قال لا إله إلا الله بالجنة فأرجأوا الأعمال وأهملوها واكتفوا في الحكم بالإسلام ودخول الجنة بالكلمة وحدها دون تحقيق مقتضياتها أو التزام لوازمها، وإن كان ذلك مستطاعًا مقدورًا عليه. مع أن العلماء قد بيّنوا كما روى البخاري في صحيحه عن وهب بن منبّه أن"لا إله إلا الله مفتاح الجنة لكن لكل مفتاح أسنان فمن جاء بمفتاح له أسنان فتح ومن جاء بمفتاح ليس له أسنان لم يفتح"وأسنانها هي تحقيق شروطها واجتناب نواقضها. إذ لا يشك عاقل عارف بحقيقة دين الإسلام أن المراد من لا إله إلا الله هو معناها التي تتضمّنه من نفي وإثبات, أما أن يتلفّظ بها دون القصد إلى معناها أو دون تحقيق مقتضاها واجتناب نواقضها فهذا ليس هو مطلوب الله عزّ وجلّ. ولذلك قال سبحانه {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلأ اللَّهُ} وقال سبحانه {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ) [3] وأنقل لك أيها القارئ ما قاله الإمام العلامة المحقق الشوكاني رحمه الله -فإنه نفيس: (و هذه المسائل محلها علم الكلام و إنما ذكرنا هذا للتعريف بإجماع المسلمين على أن هذه الأحاديث مقيدة بعدم المانع و لهذا أولها السلف ... ) [4] $).
(1) امتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر لشيخنا المقدسي - فك الله أسره - ص35.
(2) تهذيب شرح الطحاوية لأبي بصير عبد المنعم مصطفى حليمة ص32.
(3) كشف شبهات المجادلين عن عساكر الشرك و القوانين لشيخنا المقدسي ص32
(4) ($) نيل الأوطار ج1 ص299.