بل كنتم تعتقدون ذلك)! لكن قال سبحانه: {لاتعتذروا قد كفرتم} أي: بفعلكم هذا ولو لم يكن عن اعتقاد .. ومنه تعرف أن ساب الله أو الدين أو الرسول صلى الله عليه وسلم يكفر سواء كان هازلًا أم جادًا، وسواء اعتقد حل ذلك السب أم لم يعتقده، فإن قيل: فلِمَ لَمْ يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم ما داموا قد كفروا وارتدوا بقولهم ذاك؟؟.قلنا: قد أجاب شيخ الإسلام على ذلك من وجوه عديدة منها: أنهم لاذوا بالتوبة كما في خبر سبب النزول وهو ظاهر من قوله تعالى: {إن نعف عن طائفة منكم نعذّب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} فمن تاب منهم توبة نصوحًا عفا الله عنه، ومن تاب نفاقًا وخوفًا من سلطان الحق في الدنيا عصمه ذلك في الدنيا فقط أما يوم القيامة فمصيره مصير المنافقين، ولذلك تركهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقتلهم جميعًا .. وهذا القول نصره أيضًا الإمام ابن حزم.
2.الأدلة من السنة المشرفة: قصة قتل كعب بن الأشرف اليهودي، الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهده على أن لا يُعين الكفار عليه ولا يُقاتله .. لما سبَّ النبي وهجاه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه: (مَنْ لِكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله) فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: نعم .. الحديث. وفيه قصة قتله وأن ذلك كان اغتيالًا من غير قتال جيش أو معركة .. فهذا معاهد معصوم الدم والمال؛ ومع هذا لما سب النبي صلى الله عليه وسلم نقض عهده الذي فيه أمانه وعصمته، وقُتل. والحديث مما احتج به الشافعي رحمه الله تعالى على أن الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم قتل وبرئت منه الذمة. والذمي: هو اليهودي أو النصراني ونحوهما ممن يدفع الجزية للدولة المسلمة ويخضع لحكمها، ويحترم دين المسلمين ولا يجاهر بشركه أو كفره بينهم .. فمن باب أولى إذن أن يُقتل من لا عهد له ولا ذمة إذا سب الله أو الرسول صلى الله عليه وسلم أو دين المسلمين .. وكذلك المنتسب إلى الإسلام إذا سب، فإنه إذا كان الكافر المعاهد النصراني أو اليهودي أو غيرهم يُقتل إذا ما سب ديننا أو نبينا صلى الله عليه وسلم وهو لا يؤمن بنبينا صلى الله عليه وسلم ولا بديننا، بل يعتقد بطلانه ولا يتبعه .. فمن باب أولى أن يُقتل من يزعم الإسلام ويعلم أن الإسلام حق ويشهد بأن الله ربه ومولاه وأن محمدًا رسول الله ثم يسب الله تعالى أو دينه الحق أو رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم.
3.الأدلة من الإجماع:
أ. قال اسحق بن رهويه: (أجمع المسلمون أن من سب الله و رسوله أو دفع شيئا مما أنزل الله أو قتل نبيا من أنبياء الله أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله) [1] .
(1) الصارم المسلول لشيخ الإسلام ص40.