الصفحة 6 من 34

الله ورعاه- أمام القضاء المصري في قضية الجهاد على جهاز الحاسوب تمهيدًا لنشرها على الشبكة العنكبوتية. غير أني نشطت للأمر حينما رأيت القوم مع جهلهم يزدادون عجبا، ويظنون أن السكوت عنهم عجزا، فكان لا بد من حسم بوادرهم وتقليم أظافرهم وإفهامهم قدرهم حتى لا يتجاوزوه، وإلزامهم حدهم حتى لا يتخطوه، وقد أشار عليّ بعض الأصحاب أن أتجرد لكشف شبهات القوم، وأن لا أتعرض لغمزهم لأشخاصنا فطاب لي الأمر، وانشرح به الصدر، فلا أقول إلا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني، فإنه وإن تعدى حدود الله فيّ بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله وأفعله وأزنه بميزان العدل، وأجعله مؤتما بالكتاب الذي أنزله الله وجعله هدى للناس، حاكما فيما اختلفوا فيه، قال تعالى:(فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) وذلك أنك ما جزيت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) وقال تعالى: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ) ) [1] و قد ثبت عندي بيقين أنه لا يمكن الفصل بين أهل الكفر و أهل البدع من حيث العداوة و الخصومة وأن على الداعية أن يسير فيهما بخطين متوازيين.

وإني إذ أتوجه بهذا العمل إلى أبناء الإسلام عمومًا وأخص به الشباب السلفي المجاهد؛ فإني لا أنسى أن أخاطب عقلاء التحريريين -وهم أفاضل وكرام- وقد تربيت في كنفهم منذ نعومة أظفاري وأقول لهم: لطالما رددتم أمامنا أن الذود عن حياض الإسلام والأمة مقدم على الذود عن حمى الحزب و الحركة؛ فكونوا مع الدليل الصحيح في جميع موارده ومصادره لا يردكم عن الخضوع له راد ولا يصدكم عن القول بموجبه صاد، واعلموا أنه ليس في جمودكم على الباطل إلا محض التنقص لكم، والازدراء عليكم، والاستصغار لشأنكم، وهذا الأمر شين ومعرة وقلادة سوء يربأ العاقل بنفسه أن يتقلدها. أما أهل التعصب الحزبي - وما أكثرهم عددًا ولكنهم في النائبات قليل -، والذين طبع الله على قلوبهم وسلبهم نور التوفيق؛ فعموا عن طريق الرشاد وضلوا عن سبيل السداد فمثلهم لا يستحق توجيه الخطاب إليه ولا يستأهل الاشتغال به؛ لأنهم لم يعتقدوا الأمر بفهم حتى يرجعوا عنه بفهم آخر فهؤلاء لا يرد عزتهم ولا يثني عنانهم إلا الذي خلقهم إن شاء، ومما يعقد الأمر عليهم ويزيده صعوبةً أن في الإقرار بالخطأ والرجوع إلى الصواب تشتت جمع وانقطاع نظام واختلاف إخوان عقدتهم النِحلة، والنفوس لا تطيب بذلك إلا من عصمه الله ونجاه.

(1) فتاوى ابن تيمية ج3ص155.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت