ومنهم من لا عهد له من قبل لا بالفكر ولا بالسياسة وعاش حياته غمرًا مجهولًا، ثم رأى أن قضايا الفكر الإسلامي تملك نوعًا من الجاذبية الإعلامية، ولا سيما إذا ما كانت تتوجه نحو الطعن في الإسلام، أو تشويه الصحوة الإسلامية، فيجد هذا النوع من (المستنيرين) وجلهم ممن تبوأ منصبًا ذا شأن كسفير لدولته أو مستشار قانوني - يجد أن منصبه لم يحقق له الحضور الإعلامي، فيتجه نحو الفكر الإسلامي ويعلن نفسه (مفكرًا إسلاميًا مستنيرًا) ثم ينشر مؤلفًا أو بضعة مقالات على طريقة (خالف تعرف) فتنشط له جوقة إعلامية من الرافضين للصحوة الإسلامية وتوجهاتها، ويجهدون في إبراز أفكاره وتقديمها على أنها (الفكر الإسلامي المستنير) أو العادل".
ومنهم من يصدر عن حسن نية، محاولة منه في الاجتهاد إلا أنه بقي مشدودًا إلى التصورات المناهج الغربية التي تلقاها خلال دارسته أو ابتعثها إلى ديار الغرب، أو ما يزال متأثرًا بأفكر المعتزلة، أو جمعت هذه كلها في عقليته فوقع في الاضطراب والخلل والتناقض.
لذا غني عن القول أن نذكر بأن هؤلاء جميعًا يجمعهم القفز فوق حقائق التاريخ ونصوص الشريعة والولوغ في تشويه علوم الشريعة وواقع المسلمين وتاريخهم، فمقل منهم ومستكثر في الشرب من ذلك الزقوم المهلك، وعلى ذلك فمنهم من يكفر ببدعته لاستكثاره ولسوء نيته ومنهم من لا يكفر ولكنه لا يقل خطرًا عمن كفر وكلهم في الهدم سواء.
وهذا القول مني لأنه لا ينبغي أن نكون منزلقين في التعميمية الخاطئة والعجلة الظالمة، وذلك لأن مظلة ما يدعى اليوم (بالفكر الديني المستنير) تجمع تحت ظلالها أنواعًا شتى من الباحثين والمفكرين وبطبيعة الحال تختلف هذه الفعاليات الفكرية في مداركها، وفي مستوياتها العلمية، وفي جدية أعمالها، وأيضًا - وهو الأهم - يختلفون في دراجات (نقاء الطوية) فيما يصدرون عنه من تصورات وأفكار.