الصفحة 57 من 90

أما سلف هؤلاء فإنهم والمعتزلة القدماء الذين حكموا العقل تحكيمًا مطلقًا فآمنوا بالعقل ورفعوا شأنه، ونوهوا به أيما تنويه، وصدعوا بمادئه وقالوا خلق العقل ليعرف وهو قادر على أن يعرف كل شيء المنظور وغير المنظور! وجعلوه الحكم الذي يحكم في كل شيء والنور الذي يجلو كل ظلمة حكموه في إيمانهم، وفي جميع شؤونهم الخاصة والعامة.

والعقل - عندهم - هو تلك الحاسة اللطيفة الجوهر، التي تميز الإنسان من الحيوان، وكما أن فعل العين هو الإبصار فكذلك فعل العقل هو التفكر والرؤية والنطق.

ولهم أقوال كثيرة مستفيضة تمجد العقل وتحكمه في كل شيء، فمن القاضي عبد الجبار، وعمر بن عبيد، والزمخشري، والجاحظ وغيرهم وكما ذكر الشيخ سفر الحوالي في (منهاج الأشاعرة) أنه قد صرح الجويني، والرازي، والبغدادي، والغزالي، والآمدي، والإيجي، وابن فورك، والسنوسي، وشراح (الجوهرة) وسائر أئمتهم بتقديم العقل على النقل عند التعارض، وعلى هذا يرى المعاصرون منهم.

ومن استفاضة أقوالهم وبشاعتها فقد علم الكفرة المشركون من أعداء الدين كاليهود والنصارى مبلغ فساد هذا الفكر (العقلاني) النابت للإسلام فعظموه وبجلوه.

فهذا (شتيز) أطلق عليهم اسم (المفكرون الأحرار في الإسلام) !! بل جعل هذا اللقب عنوان كتابه عنهم!

ووصفهم (آدم ميز) و (هاملتون) بأنهم دعاة الحرية والفكر والاستنارة.

وانظر إلى كبير المستشرقين الذي علمهم الكفر وأرضع المستغربين لبانه (جولد زيهر) اليهودي إذ يقول مثنيًا عليهم ومبجلًا لههم أنهم: (وسعوا معين المعرفة الدينية بأن أدخلوا فيه عنصرًا مهما آخر قيمًا وهو العقل الذي كان حتى ذلك الحين مبعدًا بشدة عن هذه الناحية) !!. كذا قال!! وكأن صفوة الأمة وسلفها الصالح لم يستعملوا عقولهم وأهملوا تلك الهبة العظيمة التي أنعم الله سبحانه عليهم بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت