إن لهذا التيار العقلاني الهدام طروحات يرتكز عليها ويدور معها، وإن كانا في هذه الفصل لا يمكن أن نفصل تلك الطروحات لأن هذا يحملنا إلى الإطالة التي آثرنا الاختصار عليها، إلا أننا سنذكر ما يتيسر من طروحات وأساليب.
ظاهرة (الإسقاط التاريخي) والإسقاط هو النظر إلى وقائع التاريخ ودراستها وتحليها لا حسب مكانها وزمانها وأشخاصها بل حسب ما يعتقده هذا الكاتب أو ذاك، والحقيقية أن هذه الظاهرة قد شاعت بصورة واضحة في دراساتهم التاريخية المعاصرة، حتى أصبحت سمة مميزة لعامتها، إذ يخرج علينا كل صاحب نزعة فكرية مذهبية، جديدة وجلها مجلوب من تيارات الفكر الأوربي الحديث والمعاصر، بدراسة جديدة للتاريخ العربي الإسلامي، يحاول فيها إخضاع حقائقه ومواقفه وحركاته لمفاهيم نزعته الفكرية الجديدة، غير متحرج أن ينسب إلى شخوص هذا التاريخ أفكار ومقولات مذهبه المبتدع، والذي لم يعرفه الفكر الإنساني إلا من بضع عقود خلت!! وغير عابئ بمتطلبات البحث التاريخي الجاد من توثيق للمزاعم المطروحة، وتمحيص للروايات، التي ينتزعها من مناخها التاريخي، الذي يكشف حين التمحيص عن دلالاتها الحقيقية.
فكتب أحدهم دارسة تحت ما أسماه (اليمين واليسار في الإسلام) ولعل في عنوان البحث ذاته، ما يدلنا على مبلغ التحكم الذي يفرضه صاحبه على حركة التاريخ الإسلامي، وفي تقسيماته لطوائف الإسلام السنة والشيعة والمعتزلة والخوارج وغيرهم بين اليمين واليسار واليسار المتطرف!!.
ودراسة أخرى تعرض لما أسمته (النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية) لتسقط من خلالها مفاهيم وتحكمات الماركسية الإلحادية، في تاريخ الإسلام فتصف كبار علمائه وأئمة المسلمين بالرجعية والجمود، مشوهة مواقفهم التاريخية بصورة مؤسفة، لكل ذي ضمير علمي حي، بينما تصور الحركات المنحرفة مثل (القرامطة) و (الريوندية) ونحوها في صورة (المتقدمين المستنيرين) .