إن ما يثير استغرابنا جميعًا هي تلك المصطلحات التي أشغلت الساحة الإسلامية بها، وهذه المصطلحات إن أردت أن تحدد لها ماهي فإذا هي مجهولة الهوية، وإن أردت أن تضع لها ضابطًا فإذا بها زئبقية الهيئة، فإن استعملتها تجد أنها في ساعة معك وفي ساعات ضدك، تحور على حسب عقولهم وتدور على حسب فائدتهم منها، كما أوجدوا مصطلحات أخرى تقلل من قداسة المسميات عند المسلمين ليسهل عليهم القفز عليها وتقويض بنائها.
ومن ذلك مصطلح (التراث) تعبيرًا عن علوم الشريعة كافة، وحقيقة أنه لا يستطيع الباحث أن يميز - على وجه الدقة والتحديد - لحظة ميلاد مصطلح (التراث) في الفكر الإسلامي المعاصر، وإن كان الباحثون يكادون يجمعون على أن (التراث) كمصطلح منهجي هو وليد الدراسات الاستشراقية التي تناولت الإسلام وتاريخه وثقافته وآدابه وفنونه ومعارفه بالبحث والتحليل والتقويم.
وإذا كان مصطلح (التراث) هو وليد (رحم) الاستشراق، فإن هذا يعني أنه يحمل رؤىً وإيماءات تصويرية خاصة، تحتاج إلى نقد وبيان وتمحيص، فالمستشرق الأوربي عندما كان يدرس الإسلام، لم يكن يدرسه كدين إلهي مقدس، وعندما كان يتناول القرآن والسنة بالبحث والتحليل، لم يكن يعالج الأمر على أنه وحي من عند الله، وإنما كان يتناوله من الزاوية البشرية المحضة، بمعنى أن هذا كلام محمد صلى الله عليه وسلم الذي نجح به في قيادة أمة العرب نحو هذا التحول التاريخي الضخم.
ولكن الذي لا نستطيع فهمه أو تبريره هو أن يصر نفر من الباحثين والمفكرين العرب المسلمين على استعمال مصطلح (التراث) بالضبط المنهجي الاستشراقي في تناول علوم الكتاب والسنة، بل تناول الوحي الإلهي مباشرة كما أننا لا يمكننا السكوت على جريمة استخدام مصطلح (التراث) كستار تتخفى وراءه طائفة وهي تخرب في تاريخ الأمة وقضية دين.