وأبحاث أخرى تنطلق من نظرية (الفكر القومي العلماني) أي اللاديني تحاول أن تجرد التاريخ العربي الإسلامي، من مضامينه الإسلامية الراسخة، والأصيلة لتسقط مفاهيمها الغربية الوافدة على مواقف هذا التاريخ لتصبغها بصبغتها فتقرر على سبيل المثال أن الفتوحات الإسلامية التي انطلقت في بلاد فارس والروم لم تكن حروبًا إسلامية بباعث ديني، وإنما كانت صراعًا قوميًا للسيطرة على النفوذ بين القومية العربية والقوميات الأخرى! بل جرؤ محمد أحمد خلف الله على أن ينفي - وبخط قلم واحد - أن تكون هناك وحدة إسلامية قامت في زمان الإسلام الأول، وإنما هي في وهمه وحدة عربية قومية.
ولقد تعدى الإسقاط التاريخي، إلى المواقف الخلافية المذهبية، المنبثقة من قضية عقائدية مثل الموقف من (القدر) فقد حولها (المسقطون) من قضية عقائدية دينية إلى موقف سياسي مادي لا ديني، ثم رتبوا على ذلك اتهام أئمة الإسلام بالانحراف، لأنهم أثبتوا القدر وآمنوا به، حيث زعم المنحرفون بالبحث التاريخي أنهم فعلوا ذلك ليبرروا أفعال السلطان! بينما أصبحت طوائف مثل (الغيلانية) ثوارًا أبطالًا لأنهم أنكروا القدر، أي أنهم - حسب المسقطين - ثاروا على ظلم السلطان!.
فعلى صعيد (العلمانية) تخرج علينا دراسة محمد عمارة (المعتزلة وأصول الحكم) بمحولة مكشوفة (لعلمنة) حروب الردة التي خاضها الصديق أبو بكر، رضي الله عنه لنزع الصفة الدينية عنها، وإظهارها بصورة الحرب السياسية بين متخاصمين على الملك والسلطان.
فتقول (فلا الحرب التي سميت بحرب الردة كانت دينية، ولا حرب علي مع خصومه كانت دينية لأنها كانت حربًا في سبيل الأمر أي الخلافة والرئاسة والإدارة، وهذه سلطة ذات طبيعة سياسية مدنية، فكانت الحرب التي نشبت لأجلها سياسية ومدنية هي الأخرى.