الصفحة 82 من 90

ولهم منحى عجيب مضطرب يسلكونه ليقرروا آراءهم وقبل ذكر منحاهم أذكر قاعدة هي أن (الخلاف الفكري هو تباين وجهات نظر في العموم، بينما الخلاف العلمي هو تعارض الأدلة في خصوصيات مضبوطة) ومن ثم فنحن نؤكد بأن المفكر ليس من حقه ابتداءً أن يخوض في مسألة صحة الحديث من عدمه، لأن هذا اختصاص أهل العلم، وخلاف المفكر فيه غير معتبر, وكأنه لم يكن، وهنا نتحول إلى نقطة مبدئية مهمة هي مكمن الخلل في مواقفهم من الحديث، ألا وهي أن التوقف أمام دلالة الحديث أو الخلاف في ضبطه وتوجيهه، أمر لا شأن له بصحة الحديث من عدمه، وإلا لانتهى بنا الحال إلى أن كل أحد من الناس حتى ولو كان فقيهًا أو صاحب فكر من حقه أن يصحح ما يستقيم مع تفكيره ورؤيته وذوقه من الأحاديث ويضعف ما لا يستقيم في ذلك معه، ولأصبح كل حديث - بوجه ما - باطلًا لأنك لن تعدم من لا يفهم حديثًا، أو يتوقف أما دلالة آخر، أو ينصرف عنها لغيرها، وغير ذلك من عوارض الفكر والنظر، وبالتالي يصبح الأمر فوضى، وتضيع كل قواعد العلم، ويصبح تسجيلها أو التنبيه عليها أو الإطراء لها مجرد شنشنة لفظية لا وجود لها في الواقع التطبيقي، وليس من حق أحد أن يرفض صحة الحديث أو يوهن من شأنه، لمجرد أنه لا يسيغه ولا يتصوره، وإلا لأصبح الأمر فوضى ولضاعت قواعد العلم وغابت أصوله.

ومن فرط غرورهم واعتدادهم بآرائهم أن ينفوا رأي الغير بل يصل إلى حد أنهم يطلبوا طلبًا صريحًا من خصمائهم في الرأي أن يغلقوا أفواههم تمامًا، متهمين إياهم بنقص الفقه، كما يقول الغزالي مثلًا عندما يعقب على خلاف في بعض المسائل (إن من لا فقه لهم يجب أن يغلقوا أفواههم لئلا يسيئوا إلى الإسلام بحديث لم يفهموه، أو فهموه وكان ظاهر القرآن ضده) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت