الصفحة 29 من 42

معه ليفاوضه على أخذ مواد طبية مثلًا مما يجوز للإنسان أن يأخذها من الكفار أو يستعين بها على قتال الكفار من دون شروط ولا إملاءات، فلا يحق التكفير هنا بأي حال، وهذه مسألة معلوم الخلاف فيها، لكن مسألة (الاستعانة بالكفار على الكفار) لا تصل أبدًا إلى حد تكفير صاحبها، فانظر في هذا المنزلق كم انزلق فيه كثير من شباب المسلمين، والله المستعان!

المزلق الثاني: تكفير الجماعات ببعض أفعال أفرادها:

وهذا كمن ينظر اليوم إلى فصيل من الفصائل الذي ضمّ تحت لوائه مقصرين في طاعة الله، أو ضمّ فُسّاقًا وفجارًا، فقد يرى بعض أفراد هذا الفصيل يكفرون بالله أو يقولون شيئًا كفريًا مثلًا والعياذ بالله .. فيدفعه ذلك للحكم على الفصيل كله بما اقترفه بعضهم، فيقول: ذلك الفصيل مرتدّ وأفراده كلهم مرتدون، أو: تلك جماعة كافرة بالله، وذلك لأجل أنه رأى فلانًا منهم يكفر بالله أو يسب دين الله .. !

المزلق الثالث: التكفير بالشائعات والأخبار دون تثبُّت:

وهذا المنزلق يُرَوّج له كثيرًا في زمن الخلافات، فكيف مع هذا التطور وسرعة نشر الأخبار وانتقالها وتداولها، بل وسهولة تلفيقها والمزايدة فيها ..

إن الخلافات مهما بلغَت، إلا أن باب التكفير باب واضح المعالم لا يجوز تَقَحُّمُه دون بيّنة تُنجي عند الله تعالى يوم الوقوف بين يديه سبحانه، كما في الحديث: (إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) (رواه البخاري، ومسلم) [1] .

لكن ما يحدث هذه الأيام للأسف أنه حينما يتنازع فريقان تجد الشائعات تكثر هنا وهناك عن الفصيل الفلاني، أنه فعل كذا وكذا، وارتكب كذا وكذا ... والمصيبة أن الكثير تنطلي عليهم تلك الشائعات فيتقبّلونها بقبولٍ حسنٍ ويعدّونها من المسلّمات واليقينيات، نتيجة قلة العلم والورع، وضعف الإيمان والخشية، وكثرة الجهل والعجلة!

أما الموفقون-وما أقلّهم، جعلنا الله وإياك منهم-فإنهم يُدركون حجم المسؤولية، ويعرفون أن هناك أنظمة وحكومات بأسرِها تعمل على ترويج الأكاذيب وبثّ الشائعات والأراجيف بصور شتى، لذا فهُم يتبيّنون ويسألون حينما يصل إلى آذانهم أي نبأ أو: خبرٍ أو: حدث، فلا يبُتّون فيه حتى يطّلعوا على جليّته، وينظرون هل ثبت حقًا أم لا .. ولنا في سليمان-عليه السلام-حينما جاءه الهدهد ليخبره عن امرأه وقومها أنهم كفار يسجدون لغير الله تعالى، فلا هو-عليه السلام- عَجِلَ على الهدهد بالعذاب أو: القتل أو التكذيب، ولا هو الذي عجلَ بشيء

(1) -فال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (رواه البخاري في:(صحيحه) (رقم:7055/ 7056 - كتاب الفتن) ، ومسلم في: (صحيحه) (رقم:42 - كتاب الإمارة) .... ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت