الصفحة 34 من 42

ومع هذا فلم يُنقل عن السلف أنهم تنازعوا أو تخاصموا أو أسقط بعضهم بعضًا لأجل هذه المسائل، ففرق بين الاختلاف في تكفير الأعيان أو بين الاختلاف في الأصول التي تُبنَى عليها أحكام التكفير.

فحينما تختلف مع فلان من الناس في تكفير شخص أو فصيل مختلف في كفره كأن يقع في مناط من مناطات الردة، فيختلف في تكفيره، فتراه أنت مرتدًا وهم لا يرونه مرتدًا؛ لأنهم يعذرونه بأمر من الأمور أو يخالفون في كون هذا الفعل الذي وقع فيه مناط من مناطات التكفير، فلا يجوز أبدًا أن تنزّل مسائل مظاهرة المشركين أو: مسائل الاستعانة بالكفار ونحو ذلك على هذا الباب، فإنه أصلًا لا يراه كافرًا حينما تراه أنت كافرًا، فالاختلاف هنا يجب أن يُفهم ويُراعى فيه التحقيق والإنصاف، لاسيما إذا كان الاختلاف في مسائل مما يسع فيها الخلاف وكان الأمر من الأمور الخفية التي تحتمل أكثر من وجه وأكثر من مذهب ..

المزلق السابع: أن يفهم البعض أن قول الله سبحانه وتعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ) [1] على أنه أمر له لازم بأن يحكم على الناس فردًا فردًا وأن يبين حكم كل طائفة وكل فصيل.

فالبعض يرى أن من حقه أن يكون مفتيًا وقاضيًا مهما بلغ علمه، فلذلك تجد أحدهم يسأل صاحبه: ما تقول في الجماعة الفلانية؟ أو ما تقول في فلان من الناس؟ فإذا لم يكفره عقد عليه مسألة الولاء والبراء وحكم بفساد منهجه لأجل ذلك!

وقد نقلنا في أول هذه الإزالة كلام الشيخ المجاهد عطية الليبي تقبله الله في هذا الباب، ونذكّر هنا بقوله: (والشاب من شبابنا العامي في العلم يكفيه الإيمان الإجمالي بالله والكفر الإجمالي بالطاغوت، وأما التفاصيل، ومنها الحكم على فلان وعلى الجماعة الفلانية هل كفرت أم لا؟ ... فذلك من الفروع) [2] !

فتأمل يا رعاك الله أن باب التكفير من أشد الأبواب التي يُحجم فيها كبار العلماء ويتهيّبون الخوض فيها، فكيف بالعامي أو: من قلّ علمه! حين يتعجّل فيها ويتقحّمها بغير علم أو حجة تُنجيه عند الله سبحانه [3] ، وهو القائل:

(1) -فال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (( سورة البقرة، رقم الآية:256) ، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (وصفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغضها، وتكفر أهلها، وتعاديهم) .

وقد أشرت إلى هذا المعنى في منظومتي المسماة: (النظم المفيد لشروط كلمة التوحيد) وهي الرسالة السادسة المطبوعة ضمن كتابي: (مجموعة الرسائل في أهم المسائل) (ص:598/ 599) من مطبوعات: دار الكتب العلمية:

4 -والكفر بالطاغوت يأخذ صفهْ * أقسامها أربعة معرفهْ).

(2) -فال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (انظر:(مجموع عطية الله الليبي) (ص:117) جمع: الأستاذ الغزي).

(3) -فال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (أصدر المكتب العلمي لهيئة الشام الإسلامية فتوى تحت عنوان: (هل مقولة:(من لم يكفر الكافر فهو كافر) صحيحة؟ ... إلى أن قالوا: فإنَّ التكفير باب خطير، ومزَلَّة أقدام، ومضَلَّة أفهام، ولذلك اهتمّ العلماء بتوضيحه غاية التوضيح، وقاموا بضبطِه أتمَّ ضبط، ومن ذلك قاعدة: (من لم يكفِّر الكافر فهو كافر) ، فهي قاعدة صحيحة في أصلها تتعلق بردِّ النصوص الشرعية وتكذيبها، لا في وقوع بعض أفراد المسلمين في الكفر).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت