لكن ما حكم من توقّف في تكفيره؟
إما أن يكون هذا المتوقف مُقرًّا بأن سبَّ الله كفر [1] ، إلا أنه توقف في تنزيل الحكم على الشخص المعيّن لقصور علمه أو لشُبهةٍ رآها ونحو ذلك، فإنه يكون مخطئًا بلا شك، إلا أنه لا يكفر؛ ذلك لأنه لم يردّ خبرًا أو يكذب به؛ فإنه أقر بما ورد في الأخبار والإجماع من أن السب كفر، إلا أنه أحجم عن تنزيلها على المعيّن.
وإما أن يكون هذا المتوقف قد أنكر كون السب كفرًا أصلًا، فهذا يكفر بعد بيان الحجة عليه؛ لأنه قد رد الأخبار والإجماع، وهذا مثل من يعبد القبر ممن ينتسب إلى الإسلام، فمن خالف في أن فعله كفر فإنه يكفر؛ لأنه رد للنصوص والإجماع، ومن أقر بأن فعله كفر إلا أنه توقف في تكفيره لشبهة رآها فإنه لا يكفر.
القسم الثاني: من ارتكب ناقضًا مختلفًا فيه-كترك الصلاة مثلًا-فتكفيره مسألة خلافية، ولا يُكفّر المخالف فيها، بل لا يُبَدَّع ولا يُفسَّق، وإن كان رأيه مرجوحًا [2] .
ومن هنا يتبين لك ضلال من يستخدم هذه القاعدة في تكفير المختلف في كفرهم، ولقد كان السلف رحمهم الله يختلفون في تكفير بعض الأعيان ولم يكن ذلك مثارًا للخلاف والتنازع، كالحجاج بن يوسف الثقفي، فإنه قد اختُلف في تكفيره، فذهب إلى تكفيره: مجاهد والشعبي وطاووس وسعيد بن جبير وغيرهم، وحُجّتهم أنه قد نُقل عنه أمور ظاهرها الكفر الصراح، إضافة إلى مبالغته في سفك الدماء بالشبهة، ولكن توقف في تكفيره الكثير غير هؤلاء من أهل العلم؛ لأن من ثبت إسلامه بيقين، فلا يزول عنه إلا بيقين [3] .
(1) -فال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (وقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة تفصيلا رائعًا في كتابه:(الصارم المسلول على شاتم الرسول-صلى الله عليه وآله وصحبه) ، ولخصت كلامع في كتابي: (إرشاد السالك إلى حكم من سب الرسول-صلى الله عليه وآله وصحبه-في مذهب مالك) ، راجعهما ففيهما متعة وفائدة).
(2) -فال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (الراجح-كالمشهور عند المالكية-هو: ما قوي دليله، وقيل: ما كثر قائله، والمرجوح: ما ضعف دليله، وقيل: ما قل قائله"، وعندي بحث في حكم تارك الصلاة كليًا أو: جزئيًا) ."
(3) -فال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (يقول ابن تيمية-رحمه الله تعالى-:(وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين، لم يزل ذلك عنه بالشك، بل: لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة) . وقال ابن نجيم الحنفي في: (البحر الرائق) (5/ 125) : (ثم تيقن أنه ردة يُحكم به، وما يشك أنه ردة لا يُحكم به، إذِ الإسلام الثابت باليقين لا يزول بالشك، وينبغي للعالم إذا رُفع إليه هذا ألا يبادر بتكفير أهل الإسلام) .
كما في: (مجموع الفتاوى) (الكيلانية) (12/ 466) ، أو: (12/ 487) ، و (نواقض الإيمان القولية والعملية) (ص:52) ، وكتابي: (العقيدة الصحيحة تسهيل وتيسير) (ص:579) .