على بلقيس وقومها أو: يتخذ تجاههم موقفًا عمليًا حتى يتثبّت، حتى قال له: (قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) (سورة النمل، رقم الآية:72) .
ومن مزالق التكفير: التكفير لأجل عرَضٍ دنيوي زائل، ولعلك أخي المجاهد تتعجب هنا: هل يُكفّر المسلم أخاه لأجل أمر من أمور الدنيا؟ وهل يكفر المجاهد في سبيل الله أحدًا من الناس لأجل عرض من أعراض الدنيا؟ أقول: نعم، وإلا لما حذّر الله سبحانه وتعالى أصحاب النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-من مثل ذلك، بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (سورة النساء، رقم الآية:49) .
ومن صور ذلك وأمثلته: أن يقوم بعض العسكريين بمداهمة بيت لأحد من الناس أو قد يقوم بقصف بيت أو معمل أو مزرعة، ثم يتّهم صاحبها بأنه شبّيح أو: أنه عميل للنظام أو: غير ذلك، من دون بيّنة مُعتبرة شرعًا تُثبت ما ادّعاه، إلا طمعًا فيما عنده من لُعاعة الدنيا وقليل متاعها، فليتق الله من وقع في شيء من ذلك.
وذلك بأن يقول فرد من عامة المسلمين أو فصيل من الفصائل قولًا مُوهِمًا، فيُفهم أن يكون لازم قوله الكفر، فيُكفّره البعض بلازم قوله، مع أن (لازم القول ليس بلازم) كما هي القاعدة الشرعية المعروفة.
مثلًا كقول المعتزلة الذين ينكرون صفات الله: (الله عالم ولكن لا علم له) ، و (حيّ لا حياة له) ! فإنه يثبت العلم، وأن الله عالم وأن الله حي، ولا يُكّذب بشيء من ذلك حتى يُكَفّر. ولكن قوله: (لا علم له ولا حياة له) يوقع الاشتباه بتكفيره، إذ إن نفي العلم والحياة، يلزم منه أن لا يكون الله عالمًا ولا حيًا ... ولكن المعتزلي لا يلتزم بذلك، بل يُقرّ بأن الله تعالى عالم، فلا يكون نفيه للعلم نفيًا بأنه عالم ... وهذا الإشكال يوجب تخبط المعتزلة، وتناقضهم وضلالهم، ولكن لا يلزم منه أبدًا تكفيرهم.
فهنا لم يُصرّح بقول مكفر، وإنما يصرح بأقوال يلزم عنها الكفر، وهو لا يعتقد ذلك اللزوم، بل ربما كان لا يعرفه ولا خطر له على بال، فإن لم يعرفه ويلتزمه صراحةً، فلا يجوز إلزامه به، أو: تقويله إياه أو نسبته إليه، ومن ثم تكفيره به.
وقد بين العلماء هذه المسألة وأحوالها، كما سئل ابن تيمية: هل لازم المذهب مذهب أم لا؟ فكان من جوابه ما يلي: (الصواب أن لازم مذهب الإنسان ليس بمذهب إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه، كانت إضافته إليه كذبًا عليه، بل: ذلك يدل على فساد قوله وتناقضه في المقال.