وقال ابن القيم في: (زاد المعاد) (3/ 301) : (الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة؛ لأن عَيْنه الخزاعي كان كافرًا إذ ذاك إذ أن النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-لما كان بذي الحليفة أرسل عينًا له مشركًا من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم) .
المسألة الثانية: (الاستعانة بالكافر على المسلم، وهذه محل الكلام، ومربط الفرس، وذلك كمن يعين الكافرين على المسلمين، أو: يستعين بهم ويدخل تحت مظلة الصليبيين، فهذه ردة عن دين الله، فالاستعانة بالكافر على المسلم حيث تكون الراية للكافر تحرم بالإجماع، بل هو ناقض من نواقض الإسلام، وردة صريحة، فقد أجمع علماء الإسلام أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم) .
وقال الشيخ أحمد شاكر في: (كلمة حق) (ص: 126) عن حكم تعاون المسلم مع الإنجليز والفرنسيين أثناء عدوانهم على المسلمين في مصر: (أما التعاون بأي نوع من أنواع التعاون قل أو كثر فهو الردة الجامحة والكفر الصراح لا يقبل فيه اعتذار ولا ينفع معه تأول سواء كان من أفراد، أو: جماعات، أو: حكومات، أو: زعماء كلهم في الكفر والردة إلا من جهل وأخطأ ثم استدرك فتاب) .
المسألة الثالثة: (الاستعانة بالكافر على المسلم الباغي) .
وهذه هي المسألة الأدق وهي المزلق الذي بسبب الجهل به وقع كثير من شباب المسلمين في مهاوي تكفير المسلمين بغير حق فاستبيحت به الدماء، واستبيحت أموال المسلمين ممن منهجه التكفير بأدنى الأسباب، مع أن الواجب المعلوم من الدين بالضرورة هو عدم جواز التكفير إلا بدليل أوضح من الشمس كما سبق بيانه، وأن الأمر إذا لم يكن بيّنًا؛ كان عدم التكفير هو الأوجب، ولكن تجرأ على هذا الأمر من قلّ علمه وورعة، وضعفت تقواه وخوفه من السؤال بين يدي الله تعالى.
ومسألة الاستعانة بالكافر على المسلم الباغي، كمن يستعين بدعمٍ خارجي للقتال الحاصل اليوم في الشام فيما بين الفصائل، فهو ينظر إلى الفصيل الآخر على أنه فصيل بغى عليه وظلمه، ثم من خلال هذا الأمر استعان بالكافر فأخذ مالًا للقتال، وقد قسم العلماء الاستعانة بالكافر على المسلم الباغي إلى قسمين:
القسم الأول: أن يعين الكفار على قتال البغاة والراية والتمكين والغلبة والمعركة للكفار، فذلك ردة عن دين الله سبحانه وتعالى؛ لأنه تمكين للكفار على بلاد المسلمين وإعانة لهم ومظاهرة على قتال المسلمين.
القسم الثاني: أن يستعين بالكفار والراية الغالبة للمسلمين، وفي هذا القسم كفّر البغداديون جميع الفصائل المقاتلة حينما قاتلتها إلا ما ندر، وكذلك وقع بعض المجاهدين من غير البغداديين في التكفير في هذا القسم والتبس عليهم الأمر.