المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم هذا الكلام بعينه، فإن الإمام أحمد مثلًا قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى القول بخلق القرآن ونفي الصفات، وامتحنوه وسائر علماء وقته وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس ... وذكر أن أكثر أولي الأمر كانوا يكفرون كل من لم يكن جهميًا موافقًا لهم ويعاملونهم معاملة الكفار ... الخ، إلى قوله:(ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها ... .
ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره، ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم وحلّلهم مما فعلوه ... ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية)أهـ.
والخلاصة: أن عدم مراعاة الفرق بين التكفير المطلق وتكفير الأعيان مزلّة ومهواة .. تردّى فيها البعض، فكفروا خلقًا ممن لا يحل تكفيرهم إلا بعد الإعذار والإنذار، فضلوا بذلك وأضلوا كثيرًا".. (انتهى من الثلاثينية) ."
فمن مزالق التكفير المعاصر اليوم في الساحة: عدم التفريق بين مسألة: (الاستعانة) ومسألة: (الاعتراف) ففرق بين من يأخذ من غرفة من غرف الدعم مالًا غير مشروط، أي: لا يشترط عليه فيه شروطًا، فيستعين به على قتال الكفار، فهذه مسألة من مسائل الاستعانة التي غاية ما فيها أن العلماء قد اختلفوا فيها، ولكن لا يقول أحد من العلماء بكفر المستعين بالكفار لقتال الكفار أبدًا، ففرق بين المستعين بالكافر وبين المعترف بالكافر، الممتثل له المنقاد لأوامره ..
فحينما يقوم فصيل من الفصائل بأخذ دعم من كافر فإن هذا لا يُعتبر ردة عن دين الله، ولكن حينما يعترف به ويكون ممثلًا له ومصدر عون وقوة لشوكة ذلك الكافر فإن هذا هو الكفر، والعياذ بالله.
ختامًا .. أيها المجاهد ائذن لي أن أختم هذه الرسالة بذكر مسألة كثر الخوض فيها في باب التكفير، ألا وهي مسألة الاستعانة بالكافر على المسلم الباغي ...
فلا يخفى أن الناس في مسألة الاستعانة طرفان ووسط، طرف غَلا وأعمل سيف التكفير في رقاب الناس بغير حق، وطرف آخر ألغى حكم التكفير من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلم يكد يطلق حكم التكفير إلا على اليهودي والنصراني، وألغى حكم الردة ونواقض الإسلام من دين الله سبحانه وتعالى.