وغيره من العلماء والأئمة، ومن ذلك ما يرونه منهم إما من نصوص كلامهم أو من مسطور سيَرهم من سماحةٍ وإعذارٍ للمخالفِ ورحمة بالجاهلين، فيظلون زمنًا يتعسّفون في ليّ أعناق أقوالهم ومواقفهم المحكمة، لكن يضعف في قلوبهم احترامُهم ومحبتهم، ثم ينتقلون إلى التشكيك فيهم، ويهابون تكفيرهم زمنًا، لأن عامة ضلالتهم انبنت على فهمٍ سيّءٍ لأقوال هؤلاء الأئمة، ويخافون من ظهور تناقضهم والافتضاح أمام الناس، ثم قد يصلون إلى درجة لا يبالون بشيء ويكفرونهم كما ذكرنا.
• ومنها أنهم مع مرور الوقت أيضا يكتشفون كثرة وقوة مناقضتهم لمقاصد الشرع ومبانيه وأصول الدين المتقررة بأنواع الدلالات غير النصّيّة، فإنهم يجدون أن الشرع يميل إلى العذر ويتشوّف إليه، ويكثر من مدحه والحث عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"وليس أحدٌ أحبَّ إليه العذرُ من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل" (متفق عليه وهذا لفظ مسلم) ، كما يتشوّف إلى التيسير والسهولة والتخفيف، وهم بعكس ذلك كله، فيوجب لهم ذلك تأنيب ضمير مضافا ومكررًا، حتى ليصل الحالُ ببعضهم إلى أن يكره أن يسمع أو يقرأ من القرآن والحديث آيات وأحاديث التيسير والعذر والتخفيف ونحو ذلك!
وهذا هو شأن صاحب البدعة والفسوق (وهو الخروج عن طاعة الله تعالى وصراطه المستقيم) أنه يصير عنده حرجٌ من الآيات والأحاديث التي تخالف بدعته وفسقه، فيدخل بذلك تحت طائلة قول الله عز وجل:"ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيتَ ويسلموا تسليمًا"، وقد ذكر هذه الفائدة ابنُ القيم في بعض كتبه، ونقل في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية عن ابن أبي حاتم وعبد الله بن الإمام أحمد في كتابيهما السنة، أنهما رويا عن الجهم بن صفوان أنه تلا قوله تعالى"الرحمن على العرش استوى"فقال: لو وجدتُ السبيلَ إلى أن أحكها من الصحف لفعلتُ.