الصفحة 9 من 53

حصلت الصدمة الفكرية في رؤوس بعض الشباب فأعملوا القاعدة المعروفة (من لم يكفر كافرا فقد كفر) على كل المستويات, جاهلين أن هذه القاعدة هي في كفر المجمع على كفره بلا تأويل واستنتاج كاليهود والنصارى والمجوس؛ فأسقطوها على من لم يكفر أولئك الحكام وتتابعت السلسلة المنكودة [1] .

فكل من لم يكفر من كفروه فقد كفر، ولقلة العلم وبسبب الحماس والتشنج وظروف السجون، ولد فكر التكفير، وبسبب الجهل ولنفس الأسباب السالفة اختلفوا على حدود التكفير فكفروا بعضهم بعضًا، وانبثق من هنا مدارس وجماعات مختلفة في أصول التكفير وتوسعهم فيه، وعلى هامش هذه الأفكار نظر هؤلاء إلى المجتمعات وما يتمرغ فيه أكثر الناس من الرذائل والفساد.

فولدت فكرة جاهلية هذه المجتمعات، ثم كفر بعضهم هذه المجتمعات لأنها تمالئ حكامها أو لم تعبأ بتعلم دينها , وتقع بجهالتها وعدم سعيها لفهم دينها في نواقض الإيمان, وطرحت فكرة الابتعاد عنها للعيش في مجمعات معزولة يقوم أصحابها على تربية أنفسهم وأولادهم على الدين والفضيلة فولدت فكرة الهجرة، وامتزجت في كثير من الأحيان نتيجة العزلة والجهل والحيف الذي وقع عليهم من السلطات وعلمائها, ثم من الصحوة وقيادتها، ثم من الناس والمجتمع، فتفاقمت الظاهرة، واختلفت زوايا الانحراف فيها، واعتبر بعض هذه الجماعات أنفسهم (جماعة المسلمين) وكفروا من ورائهم، وتردد البعض نتيجة بعض العلم عندهم أو بعض

(1) ) يقول الشيخ المقدسي في (الثلاثينية) :"وسوء استعمال هذه القاعدة عمّ بلاؤه وطمّ بين كثير من الشباب، حتى جعلها بعض غلاة المكفرة أصل الدين وشرط صحة الإسلام، يدور معها الإسلام عندهم وجودًا وعدمًا، وعقدوا عليها الولاء والبراء؛ فمن أطلقها وأعملها فهو المسلم الموحد الذي يتولّونه، ومن خالفهم في بعض جزئياتها عادوه وبرئوا منه وكفّروه؛ حتى بلغ بهم الأمر أن كفر بعضهم بعضاضًا، لأنه لا يخلو أن يخالف بعضهم في تكفير بعض الناس، فيكفر بعضهم بعضا بسبب هذا الخلاف".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت