الحمدُ لله؛ القائلِ في كتابه العزيز: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} ، والصلاةُ والسلام على الصادق المصدوق؛ القائل: «إِنَّ اللهَ اتخذني خليلًا، كما اتخذَ إبراهيمَ خليلًا» .. وبعدُ:
معاشرَ المسلمين؛ السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه
في مثل هذا اليومِ المباركِ من القرونِ الغابرة؛ وقعت حادثةٌ عظيمةُ الشأنِ منقطعةُ النظير، أنزل اللهُ تعالى لتخليدِها قرأنا يُتلى إلى يومِ القيامة ..
وما كان لحادثةِ ذبحِ إبراهيمَ لابنه إسماعيلَ -عليهما السلام- أن تنالَ شرفَ ذكرِها في القرآنِ الكريمِ لولا قيمتُها التاريخيةِ الثمينةِ، التي ما تزالُ تسري في كيان أمتِنا المسلمة لتستلهمَ منها ومن ماضيها المشرقِ أنوارَ الهدايةِ والرشاد، فتشقَ طريقَها المحفوفَ بالمخاطرِ والصعابِ والشدائدِ، نحو السؤددِ والسموِّ والرفعة ..
ومن هذه القيَّمِ التاريخية الجديرةِ بالتأمل والتدبر؛ ما جاء في قوله عز وجل عن خليله إبراهيم: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ .. } .
في هذا الموقفِ الجليل؛ تتجلي كلُ معاني التسليمِ والخضوع مع الصبر واليقين للأمر الإلهي، في أبهى صورِها ..
تتجلي كلُ هذه المعاني في صورة الأبِ العطوفِ الرحيمِ، الذي يُؤمر بذبح ابنه البارِّ المطيعِ بيده الطاهرةِ، فيستجيبُ الاثنان معا في موقفٍ إيماني رائع لم ولن ير البشر مثلَه ..
ثم ينزلُ الفضلُ الإلهيُّ الكريمُ، قبلَ أن يتمَّ الذبحُ بلحظة فارقة ليُكرِمَ العبدَين المطيعَين الذَّيْن حققا العبوديةَ التامَّةِ لربهما جل وعلا، فيرفعَ قدرَهما في عليين ويُخلِّدَ ذكرَهما في العالمين .. {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَان} .
وبهذا التسليمِ الكامل؛ نال إبراهيم عليه السلام شرفَ الرتبةِ العاليةِ ليكون خليل الرحمن، {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} ..
وبهذا الخضوعِ التامِّ؛ كان إبراهيم عليه السلام أمةً وحده {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِين} ..