والعجب ممن أغفل ذلك منهم، مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وكذا الحسن والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين: كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم، اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة.
وأعجب من ذلك إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة، مع أن نص الشافعي يدل على غير ذلك، فإنه قال - في أثناء كلامه على ما يعتبر به حال الراوي في الضبط ما نصه: ويكون إذا شرك أحدا من الحفاظ لم يخالفه، فإن خالفه فوجد حديثه أنقص كان في ذلك دليل على صحة مخرج حديثه.
ومتى خالف ما وصفت أضر ذلك بحديثه، انتهى كلامه، ومقتضاه أنه إذا خالف فوجد حديثه أزيد أضر ذلك بحديثه، فدل على أن زيادة العدل عنده لا يلزم قبولها مطلقا، وإنما تقبل من الحفاظ، فإنه اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف أنقص من حديث من خالفه من الحفاظ، وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليلا على صحته، لأنه يدل على تحريه، وجعل ما عدا ذلك مضرا بحديثه، فدخلت فيه الزيادة، فلو كانت عنده مقبولة مطلقا لم تكن مضرة بحديث صاحبها"."
قال الصنعاني في"توضيح الأفكار"1/ 308 - 309:
"قال البقاعي إن ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين فإن للحذاق من المحدثين في هذه المسألة نظرا لم يحكه، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه وذلك أنهم لا يحكمون فيها يحكم مطرد وإنما يديرون ذلك على القرائن انتهى."
ويأتي ما يفيد هذا في كلام الحافظ ابن حجر وعنه أخذه البقاعي فإنه شيخه إلا أن عبارته دلت أن هذا لبعض حذاق المحدثين لا لكلهم كما أفاد أول كلامه، قال الحافظ: الذي صححه الخطيب شرطه أن يكون الراوي عدلا ضابطا وأما الفقهاء والأصوليون فيقبلون ذلك مطلقا وبين الأمرين فرق كثير"."