قال في"تباينه":"وإن من أسباب التباين بين منهج المتقدمين والمتأخرين، أن المتأخرين في نقدهم الحديث لا يحيطون بجميع أحوال الراوي، إذ إن الرواة ثقاتا كانوا أو غير ذَلِكَ لهم حالات مخصوصة في شيوخهم، فنجد الثقة في بعض الأحيان يكون ضعيفا في شيخ معين أو في روايته عن أهل بلد معين وما أشبه ذَلِكَ، ونجد الضعيف في بعض الأحيان يكون ثقة في بعض شيوخه، لشدة ملازمته لهم أو مزيد عنايته بضبط أحاديثهم، وأُمثّلُ لهذا".
قلت: إن الحفاظ سبروا كلام أئمة الجرح والتعديل، ولم يهملوا هذا، وعلى سبيل المثال لا الحصر، إسماعيل بن عياش: قال الحافظ في ترجمته من التقريب:"صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم"، وهذا جاء بعد استقراء كلام أئمة الجرح والتعديل.
ومحمد بن عجلان: صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبى هريرة.
وهشام بن حسان: ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال لأنه قيل: كان يرسل عنهما.
ثم ذكر في"تباينه"مثالًا:
(( كانَ النبي إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه ) ).
هذا الحديث قوّى إسناده الشيخ شعيب الأرناؤوط في تعليقه على"صحيح ابن حبان"، وحسّن إسناده في تعليقه على"شرح السنة"للبغوي، وصححه العلامة الألباني في"الصحيحة"، بكثرة طرقه وشواهده، وعنوا بضعف من رواه عن الدراوردي، فذكروا المتابعات، وبعد البحث والنظر والتفتيش تبين أن العلامتين الأرناؤوط والألباني لم يتنبها إلى علته، فهوَ معلول بعبد العزيز بن محمد الدراوردي الثقة، وفيه من هذا الوجه علتان:
الأولى: إن (كذا) الإمام أحمد أشار إلى ضعفه في روايته عن عبيد الله بن عمر العمري خاصة، فقالَ فيما نقله عنه أبو طالب: (( وربما قلب حديث عبد الله ابن عمر - وهو ضعيف - يرويها عن عبيد الله بن عمر ) )، ولذلك قالَ النسائي: (( حديثه عن عبيد الله ابن عمر منكر ) )، وقول النسائي هذا نقله الحافظ ابن حجر في"التقريب".