وقال (ص 29) :"عادة مسلم أن يرتب روايات الحديث بحسب قوتها: يقدم الأصح فالأصح".
فلم يقل يقدم الأصح ثم يردفه بالمعل، فإن الإمام مسلمًا ألَّف كتابه إجابة لطالب علم، وصرّح بالتزام الصحة في كتابه"الصحيح"، ففيه المتفق عليه وهو أعلى درجات الصحة، وفيه ما دون ذلك في القوة.
ولم يذكر ماهر الفحل في"تباينه"أي مثال لهذا التأصيل المحدَث الذي فيه هدر لمجهود أئمة بذلوا النفس والنفيس لخدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا مسوّغ أو أي مبرّر، وقد تناقض ماهر الفحل، فإنه عدّ ابن حبان من المتأخرين فقال (ص 4) - بعد أن ذكر حديثًا: (الحديث صححه المتأخرون منهم: ابن حبان)
وابن حبان توفي (354 هـ) ، وعدّ الدارقطني من المتقدمين وقد توفي (385 هـ) ، إلا أن يكون هذا اصطلاحًا منه اصطلحه مع نفسه أو مع أستاذه المتقدّم، فقد قرأت لأحدهم تفريقه بين المتقدم والمتأخر لا من حيث الزمن، ولكن من حيث المنهج، فهو بلغ من العلم أن درس منهج كل محدث وفي كل زمن ثم جعل أصحاب المنهج الواحد متقدّما وغيرهم متأخرا، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا ضعّف عبد الله السعد، وحمزة المليباري، وماهر الفحل حديثًا ما، فنقول ضعّفه من المتقدمين عبد الله السعد، وحمزة المليباري، وماهر الفحل، وصححه من المتأخرين ابن حبان، والحاكم، والبيهقي، تالله إنها لقسمة ضيزى.
وختم تباينه بهذا:"وأنا إذ أكتب هذا الكلمات (كذا) مفرقا بين منهج المتقدمين والمتأخرين، إنما هو رأيي ورأي الدكتور بشار، وقد استفدت في بحثي هذا من كلامه في مقدمته النافعة لتأريخ مدينة السلام بغداد - حرسها الله - ومقدمته لجامع الترمذي، وهذا المذهب في التفريق بين منهج المتقدمين والمتأخرين صار إليه أكثر الباحثين، وكان على رأس من نصر هذا المذهب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمان السعد".
قلت: لقد كان الناس في ضياع وتيهة على مرّ كل هذه القرون الأحد عشر حتى جاء