ثم استمرّت الجهود في خدمة السنة النبوية، فصنّف الإمام مسلم"الصحيح"، وصُنّفت"السنن الأربعة"، ثم صنّف ابن حبان"الصحيح"، ومن قبله شيخه ابن خزيمة وإن"صحيحه"أصح ما صنّف في الصحيح المجرد بعد الشيخين، ثم صنّف الحاكم أبو عبد الله النيسابوري"المستدرك على الصحيحين"في القرن الرابع الهجري، وقد استدرك عليهما أحاديث كثيرة، وإن كان في بعضها مقال، إلا أنه يصفو له شيء كثير كما قال ابن الصلاح، وكذا الدارقطني إمام عصره في الجرح والتعديل وحسن التأليف واتساع الرواية، فعلى نفس خُطى سلفهم، ولقد اعتنى علماء الحديث عناية خاصة بمصادر الأخبار التي تتوارد عليهم وفتشوا في أسانيدها، فالإسناد من الدين، ولولاه لقال من شاء ما شاء كما قال ابن المبارك، فصُنّفت الكتب في"الجرح والتعديل"و"العلل"، وبينت فيها أحوال الرجال، وكان بعض الأئمة يكره تدوين بعض العلوم المهمة.
قال ابن رجب:
"وكان أحمد يكره ذلك - يعني يكره ذكر كلام الفقهاء مع الحديث - وينكره - رضي الله عنه - حتى إنه أمر بتجريد أحاديث الموطأ وآثاره عما فيه من الرأي الذي يذكره مالك من عنده، وكره أحمد أن يكتب مع الحديث كلام يفسره، ويشرحه، وكان ينكر على من صنّف في الفقه كأبي عبيد وأبي ثور وغيرهما."
ورخّص في غريب الحديث الذي صنّفه أبو عبيد أولا، ثم لما بسطه أبو عبيد وطوله كرهه أحمد، وقال:"هو يشغل عما هو أهم منه"، ولكن عند بعد العهد بكلام السلف وطول المدة وانتشار كلام المتأخرين في معاني الحديث والفقه انتشارا كثيرا بما يخالف كلام السلف الأول، يتعين ضبط كلام السلف من الأئمة، وجمعه، وكتابته، والرجوع إليه، ليتميز بذلك ما هو مأثور عنهم، مما أحدث بعدهم، مما هو مخالف لهم، وكان ابن مهدي يندم على أن لا يكون كتب عقب كل حديث من حديثه تفسيره"."