وقد يكون من المفيد أن نذكر: أن القيم المشرِّعة للحقوق الإنسانية، والمعايير وموازين التقويم الحارسة لها والضامنة لامتدادها، عندما تُستمد من مصدر خارج عن الإنسان، من الخالق العالِم بأحوال الناس، البريء من الهوى والانحياز والخطأ، المتصف بصفات الكمال، يتلقاها الناس بالقبول، لشعورهم بالتساوي وعدم التمييز أمامها، والعدل في إنفاذها، إضافة إلى أن احترامها والالتزام بها إنما يتم بدافع داخلي وبوازع ذاتي، لاعتقادهم بأن الذي شرعها وأمر بالتزامها يعلم السر وأخفى، ويحاسب عن التقصير بها أو الانتهاك لها .. وليس هذا فقط، بل وجود تشريعات لبيانها، وعقوبات لانتهاكها، وبذلك تتحصل القناعة والثواب بها من داخل النفس، وتصان بالتشريعات الملزمة والعقوبات للمعتدي عليها.
بينما عندما توضع تلك القيم والمعايير من الإنسان نفسه، فزيادة على احتمال أن تتحول إلى وسيلة للتسلط والتعالي والانحياز، لأن الإنسان، أي إنسان، مهما حاول التحرر فهو يقع بشكل طبيعي تحت تأثير تربيته ومجتمعه وقبيلته وطائفته وحزبه وأهوائه ونزواته، إضافة إلى عمره المحدود وعلمه المحدود، الذي لا يمكن أن يحيط بالحاضر والمستقبل، فالإنسان نفسه يرى في وقت ما لا يراه في وقت آخر.
ومن جانب آخر، يمكن لنا أن نطرح السؤال الكبير: ماهي الضمانات التي تجعل من الآخرين محل قبول واحترام لهذه المعايير البشرية، وعلى الأخص أن الناس خلقهم الله، ويشعرون وكأنهم يعيشون على مائدة مستديرة -بالتعبير الدبلوماسي- أي خلقوا متساوون في الحقوق، فبأي حق يمكن لبعضهم أن يعطي نفسه حق التشريع ووضع القيم للآخرين؟ وماهي الضمانات ألا تجيئ هذه القيم منحازة ومحققة لمصلحة من وضعها، وأداة للتسلط على الموضوعة له؟