أما إذا استمدت من مصدر خارج عن الإنسان فيتساوى أمامها الجميع، حيث تبرأ من الانحياز بأصل مصدرها، وتحمي كرامة الإنسان، وتمنحه الحق في وضع البرامج والآليات للتعامل مع هذه القيم الضابطة لمسيرة الحياة، وبذلك لا تلغي الإنسان وإرادته ونمو عقله، وتحميه من السقوط والانهيار، ولا تسمح بتسلطه وتألهه على البشر من أمثاله، والانشغال بوضع فلسفات وتسويغات لعمليات انتهاك حقوق الإنسان هنا وهناك.
وقبل أن نقدم بعض الملامح لقضية حقوق الإنسان، وكونها محور مقاصد الشريعة، لابد أن نشير هنا إلى قضية مركزية في مسألة حقوق الإنسان وحماية كرامته وتقرير إنسانيته، تتمثل في القيمة الكبرى التي حسمها الإسلام ولم يساوم عليها وهي عدم الإكراه، فلا إكراه، ولا إجبار، قال تعالى: (( لا إِكْرَاهَ فِى ?لدّينِ ) ) (البقرة:256) ، وقال تعالى: (( وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكّرْ بِ?لْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ) ) (ق:45) .
لقد جعل الله السبيل إلى الاقتناع بالدين هو التفكير والعلم والقراءة والاستدلال والبرهان، وجعل السلاح الأقوى في التأثير هو القلم .. وليس من قبيل المصادفة أن يكون أول ما نزل قوله تعالى (( ?قْرَأْ ) )، (( عَلَّمَ ) )، (( عَلَّمَ بِ?لْقَلَمِ ) )، وأن مشروعية الجهاد دائمًا جاءت لمدافعة الظلم وحماية حرية الاعتقاد .. وتبقى الإشكالية استبدال السيف بالقلم، نتيجة للقهر والإحباط.