فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 123

فالإكراه بكل المعايير إسقاط للعقل، أساس كرامة الإنسان، وإلغاء للإرادة والاختيار، وسبيل للتسلط والفساد وسفك الدماء والظلم، وقتل للإنسان، بل هو أشد من القتل، ذلك أن إجبار الإنسان على دين أو مبدأ أو عقيدة لا يختارها ولا يقتنع بها، أو حرمانه من عقيدة أو دين يختاره، أشد فظاعة من قتله، لأن ذلك قتل لإرادته واختياره، وإلغاء لإنسانيته، وإسقاط لكرامته، لذلك قال تعالى: (( وَ?لْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ?لْقَتْلِ ) ) (البقرة:191) ، فجريمة القتل على فظاعتها ومخاطرها تبقى دون جريمة الإجبار والإكراه .. والمعروف أن الله شرع الجهاد، على الرغم مما يقع فيه من القتل، لحماية اختيار الناس، والحيلولة دون إكراههم أو إجبارهم أو فتنتهم، فقال تعالى: (( وَقَـ?تِلُوهُمْ حَتَّى? لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ?لدّينُ للَّهِ ) ) (البقرة:193) ، وفي ذلك إلغاء لتأله البشر.

وقد يبدو كلامنا عن"الإكراه"هو من بعض الوجوه إغراق في الابتعاد عن الواقع، ذلك أن المسلمين اليوم عاجزون حتى عن الدفاع عن أنفسهم، ناهيك عن إكراه الآخرين، وأن عمليات"الإكراه"والاغتصاب السياسي والثقافي والإعلامي والعسكري تمارس ضدهم على المستويات كافة، إلا أن ذلك لم يمنعنا من التأكيد على أن شعار المسلمين الدائم يبقى هو:"لا إكراه"، بعيدًا عن جميع أنواع ردور الفعل.

لذلك يمكن أن نخلص إلى الحقيقة التي هي أشبه بالبدهيات: بأنه لا إنسان بلا دين، أي بلا معايير، بلا قيم، وأن الإشكالية التاريخية بين النبوة من جانب والطاغوت من جانب آخر هي في مصدرية تلقي القيم (الدين) ، ونسخ ألوهية البشر، وإفراد الله بالتوحيد، والتوحيد هو التحرير -كما أسلفنا- أو تلقي القيم من البشر، لأن ذلك مهما ادعي له من الموضوعية والحياد فهو جسر للتسلط، والتأله، والانحياز، والاستغلال، والطاغوت، أي الطغيان، والإجبار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت