فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 123

وقد تكون المشكلة اليوم، وعلى الأخص في عالم المسلمين، قضية حقوق الإنسان بين القيم الدينية والمسالك البشرية، أو بين نصوص الدين وواقع التدين، ذلك أنه بالإمكان القول: بأن كثيرًا من علل التدين التي لحقت بالأمم السابقة، والتي حُذرنا منها، قد تسربت إلينا بشكل أو بآخر، فجعلت صورة التدين وعلى الأخص التعاطي مع حقوق الإنسان بهذا الشكل البئيس، حيث تسربت إلينا بعض الكهانات، واستمرأها بعضنا، فأصبح يتوهم أنه هو الإسلام والإسلام هو، ولابد أن يُحترم ويُكرم ويعظم ويبجل، لأن تكريمه تكريم للإسلام وتعظيم له، ولا يجوز أن يحاسب أو يراجع، لأنه يمثل قيم الإسلام، والقيم معصومة فهو يمارس المعصوم وإن لم يدَّع ذلك، وبدل أن يكون في خدمة الأمة، يتمثل قيم الإسلام في سلوكه ويجسدها في حياته وعلاقاته، تصبح الأمة في خدمته، وبدل أن يكون في خدمة المؤسسة التي يعمل فيها تصبح المؤسسة في خدمته (!)

لذلك نرى بعض الناس نفر من الدين بسبب هذه الصور المنفرة، ونرى كثيرًا من أفراد المجتمع في هذا المناخ الردئ والتدين المغشوش استمرأ هذه الكهانة، وقد لا يكون له أدنى كسب شرعي، وقد يكون أمضى عمره في تخصصات علمية- وذلك من الفروض الكفائية كما هو معلوم- فيغادرها إلى نوع من صناعة المشيخة ومنابر الوعظ والإرشاد، ويعيش نوعًا من العطالة، وقد يوقع الأمة جمعيها في الإثم لعدوله عن تخصصه، وبدل أن يكون في خدمة المجتمع يريد أن يصبح المجتمع في خدمته، وبذلك تمارس صور من التدين تزري بقيم الدين وتحاصرها وتهون من شأنها، بدل أن تغري بها، فتتحول المشكلة من أزمة تدين لتصبح أزمة دين، والعياذ بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت