وقد لا نجد حرجًا في القول: بأن هؤلاء الذين غادروا تخصصاتهم العلمية إلى منابر الوعظ والإرشاد، قد أهدروا بذلك حقوق الأمة عليهم، حيث لم يقوموا بواجباتهم، ولم يكتفوا بذلك وإنما تجاوزوا إلى مطالبة الأمة بحقوق لا يستحقونها، أو حقوق ليست لهم، لأن مالهم من حقوق إنما يتقرر في ساحة اختصاصهم مما تحتاج إليه الأمة.
ولعل من أخطر الإصابات التي نعاني منها على الأصعدة المتعددة، الاستمرار في هذه الصورة من الضخ الخطابي والكتابي عن تميز حقوق الإنسان في الإسلام، وعظمة القيم الإسلامية، وتفردها، وصوابيتها، وقدرتها على استرداد إنسانية الإنسان وتحقيق أمنه وسلامه، والإنجاز التاريخي العظيم لهذه القيم، وتنتهي مهمتنا عند النزول من على درجات المنبر، دون التفكير بواقع المسلمين المتردي وانتهاك حقوق الإنسان وإهدار كرامته، ودون التفكير بوضع البرامج والآليات لتنزيل القيم الإسلامية على واقع الناس، وتجسيد هذه الحقوق في حياتهم العملية، والانطلاق إلى فضاءات المجتمع والأمة، ووضع البرامج، وإقامة المؤسسات والروابط والندوات والنوادي المعنية بحقوق الإنسان وتحقيق كرامته، وإعادة النظر بتطوير نظام الحسبة ومؤسسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإغراء الناس بالقيم الإسلامية، وإقناعهم بها، والإيمان بدورها في تحقيق كرامة الإنسان وتأمين حقوقه.
إن استمرار الكلام عن عظمة الإسلام، وما منحه للإنسان من حقوق، دون النظر في واقع المسلمين وأسباب العطالة لهذه القيم والتبصر بكيفية إعادة فاعليتها فأمر محزن قد ينال من القيم نفسها -كما أسلفنا- ويحمل الناس على التطلع إلى ما عند (الآخر) لعل فيه الخلاص، وعلى الأخص إذا كان من يدعون إلى تلك القيم هم أول من ينتهكها بسلوكهم، ولا يبصرون إلا حقوقهم، ولا يرون شيئًا من واجباتهم.