الوضع الطبيعي والسوي هو أن تكون العناية بالإنسان - من حيث هو إنسان - أسبق وأكثر من العناية بحقوق الإنسان، لأن هذه الحقوق إنما أضيفت للإنسان واستحقها، لكونه إنسانًا، وليس لأنه كائن من الكائنات ومخلوق من المخلوقات، وإلا لوجب أن نتحدث بنفس المنطق وبنفس الدرجة عن حقوق الحيوان، وحقوق الحيتان، وحقوق الشجر والحجر.
فالعناية بالإنسان قبل حقوق الإنسان هي التي تسمح لنا أولًا بتحديد سبب هذا الامتياز، وثانيًا تجعلنا نصون سبب هذا الامتياز ونحافظ عليه، وربما نحسنه ونرقيه، وتجعلنا ثالثًا نوجه حقوق الإنسان بما يتلاءم ولا يتعارض مع هذا الامتياز الذي هو سبب وجود حقوق الإنسان، حتى لا نكون كمن يتمسك بالربح ويضيع رأس المال، بل نجعل الربح يعزز رأس المال وينميه.
فبماذا استحق الإنسان هذه الحقوق؟ وبماذا استحق كل هذه الحركة وهذه المعركة من أجل تلك الحقوق؟ لاشك أن هناك خصوصية وتفضيلًا وامتيازًا لهذا الإنسان، وإلا فلو رجعنا إلى مبدأ المساواة بين المخلوقات، لكان علينا أن نقول: كفانا من حقوق الإنسان، فقد أخذ هذا الإنسان على مدار التاريخ أضعاف أضعاف ما أخذته بقية المخلوقات من حقوق. علينا الآن - ونحن في عصر المساواة والإخاء والتسامح والتكافل - أن نركز على حقوق الكائنات الأخرى التي تتعرض لأبشع أشكال الاستغلال وأقصى درجات الإهمال لحقوقها، ويتم ذلك على يد الإنسان ولفائدة الإنسان؟