-والله تعالى علم آدم الأسماء كلها، والأسماء هي مفاتيح العلم والتعلم. وهو سبحانه علمه ما لم يكن يعلم، ومن ذلك أنه علمه البيان، والبيان ليس مجرد النطق والكلام، بل البيان، قبل ذلك، فكر ونظم للأفكار، ثم بيانها.
-والله عز وجل خلق هذا الإنسان في أحسن تقويم وأكمل هيئة.
-والأهم من هذا كله، وسر هذا كله، هو أنه سبحانه نفخ فيه من روحه. وهذه الميزة في الحقيقة تمثل نوعًا من التشريف والتكريم لا يكاد يدركه عقل أو يستوعبه فكر، ولذلك جاء في الآية الأخرى: (( قُلِ ?لرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى وَمَا أُوتِيتُم مّن ?لْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا ) ) (الإسراء:85) ، ولا نعلم مخلوقًا آخر نفخ الله تعالى فيه من روحه ومنحه هذا الامتياز.
وعن هذا الامتياز ترتب أول حق من حقوق الإنسان، وذلك حين أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم. فالعلة الحقيقية لإسجاد الملائكة لآدم هي التسوية الخاصة الفائقة لهذا الكائن، تم تتويجها بالنفخ فيه من روح الله، وهذا واضح في النظم القرآني: (( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـ?جِدِينَ ) ) (الحجر:29) ، فهو سجود لهذه الخاصية ولأجلها، وليس كما زعم التعيس إبليس الذي أبى أن يسجد وقال: (( أَءسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ) ) (الإسراء:61) ، وقال: (( لَمْ أَكُن لاِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَـ?لٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ) ) (الحجر:33) ، حيث رأى في سجوده لآدم سجودًا لكائن طيني لا أقل ولا أكثر.
فالنفخ في الإنسان من روح الله هو سبب سموه وتفوقه، ومنبع مواهبه ومؤهلاته، والمدد الدائم لتساميه وترقيه. قال القاضي أبو بكر ابن العربي عند تفسير قوله تعالى: (( لَقَدْ خَلَقْنَا ?لإِنسَـ?نَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) )، قال:"ليس لله تعالى خلق هو أحسن من الإنسان؛ فإن الله خلقه حيًا، عالمًا، قادرًا، مريدًا، متكلمًا، سميعًا، بصيرًا، مدبرًا، حكيمًا، وهذه صفات الرب" [1] .