2/ المعتزلة: وهم أتباع واصل بن عطاء [1] وعمرو بن عبيد [2] ، ومعهم النجارية والضرارية والرافضة الإمامية والزيدية والإباضية وابن حزم [3] وغيرهم وهؤلاء مشتركون مع الجهمية والفلاسفة في نفي الصفات وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق فالمعتزلة تجمع على غاية واحدة وهي نفي إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. ولكنهم سلكوا طريقين في موقفهم من الصفات.
الطريق الأول: الذي عليه أغلبيتهم وهو نفيها صراحة فقالوا: إن الله عالم بذاته لا بعلم وهكذا في باقي الصفات.
والطريق الثاني: الذي عليه بعضهم وهو إثباتها اسما ونفيها فعلا فقالوا: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته وهكذا بقية الصفات، فكان مجتمعا مع الرأي الأول في الغاية وهي نفي الصفات.
قال الشيخ صالح آل الشيخ في المعتزلة: (إن الله جل وعلا لم يستفد اسم الخالق إلا من الخلق، ولم يستفد اسم الرازق إلا من الرزق، ولم يستفد اسم المحيي إلا من الإحياء، ولم يستفد اسم المميت إلا من الإماتة، وهكذا، ولا المصور إلا من التصوير، ولا البارئ إلا من البرء، فقبل أن يخلق ليس له اسم الخلق، وقبل أن يرزق، ليس له اسم الرازق إلى آخره، وهذا كلام المعتزلة.) إھ. [4]
وقال الشيخ العثيمين فيهم:(وطريقتهم أنهم يثبتون لله تعالى الأسماء دون الصفات، ويجعلون الأسماء أعلامًا محضة، ثم منهم من يقول إنها مترادفة فالعليم، والقدير، والسميع، والبصير شيء واحد، ومنهم من يقول إنها متباينة ولكنه عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، ونحو ذلك.
وشبهتهم أنهم اعتقدوا أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه؛ لأنه لا يوجد شيء متصف بالصفات إلا جسم، والأجسام متماثلة، فإثبات الصفات يستلزم التشبيه.). إھ [5]
وقال الجرجاني: (ذهبت المعتزلة والكراميّة إلى أنّ ما يطلق على الربّ من الأسماء لا يشترط فيه التوقيف الخاص؛ فإذا دلّ العقل على اتّصافه بصفة وجوديّة أو سلبيّة جاز أن يطلق عليه اسم يدلّ على اتّصافه بها، سواءٌ أورد بذلك الإطلاق إذن شرعيّ أم لم يرد. وكذلك الحال في الأفعال) .إھ [6]
(1) واصل بن عطاء البليغ الأفوه أبو حذيفة المخزومي. مولده سنة ثمانين بالمدينة، وكان يلثغ بالراء غينا، فلاقتداره على اللغة وتوسعه يتجنب الوقوع في لفظة فيها راء كما قيل: وخالف الراء حتى احتال للشعر. وهو وعمرو بن عبيد رأسا الاعتزال، طرده الحسن عن مجلسه لما قال: الفاسق لا مؤمن ولا كافر، فانضم إليه عمرو، واعتزلا حلقة الحسن، فسموا المعتزلة. قيل: مات سنة إحدى وثلاثين ومئة. وله مؤلف في التوحيد وكتاب"المنزلة بين المنزلتين". إھ باختصار من سير أعلام النبلاء - الذهبي 5/ 464.
(2) عمرو بن عبيد الزاهد العابد القدري كبير المعتزلة. قال ابن علية: أول من تكلم في الاعتزال واصل الغزال، فدخل معه عمرو ابن عبيد، فأعجب به وزوجه أخته قال الخطيب: مات بطريق مكة سنة ثلاث، وقيل: سنة أربع وأربعين ومئة. وله كتاب العدل، والتوحيد، وكتاب الرد على القدرية يريد السنة. إھ باختصار من سير أعلام النبلاء - الذهبي 6/ 104.
(3) قال ابن كثير في البداية والنهاية م 12/ ص 113 (ابن حزم الظاهري هو الأمام الحافظ العلامة أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معد بن سفيان بن يزيد، مولى يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي) وقال (والعجب كل العجب منه أنه كان ظاهريا حائرا في الفروع، لا يقول بشيء من القياس لا الجلي ولا غيره، وهذا الذي وضعه عند العلماء، وأدخل عليه خطأ كبيرا في نظره وتصرفه وكان مع هذا من أشد الناس تأويلا في باب الأصول، وآيات الصفات وأحاديث الصفات) . إھ
وقال الذهبي في المنتقى من منهاج الاعتدال ص 118: (وزعم ابن حزم أن أسماء الله لا تدل على المعان) .إھ وقال العلامة ابن عبد الهادي في مختصر طبقات أهل الحديث ص 401: (ولكن تبين لي منه أنه جهمي جلد لا يثبت معاني أسماء الله الحسنى إلا القليل كالخالق والحق وسائر الأسماء عنده لا يدل على معنى أصلا) .إھ
قلت: انظر قول ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل / فصل (الكلام في سميع بصير وفي قديم) م 2 / ص 109 وما بعدها، حيث قال: (وصح بهذا البرهان الواضح أنه لا يدل حينئذ عليم على علم ولا قدير على قدرة ولا حي على حياة وهكذا في سائر ذلك وإنما قلنا بالعلم والقدرة والقوة والعزة بنصوص أخر يجب الطاعة لها والقول بها) ، ثم قال: (فإن قالوا أن الله هو المؤمن قلنا لهم نعم هو المؤمن المهيمن المصور فأسماؤه بذلك أعلام لا مشتقة من صفات محمولة فيه عز و جل تعالى الله عن ذلك إلا ما كان مسمى له عز وجل لفعل فعله فهذا ظاهر كالخالق والمصور) .إھ. فهذا إقرار منه بإثبات الأسماء لله تعالى دون الصفات، وأن الأسماء الحسنى أعلامًا محضة؛ وهذا قول المعتزلة؛ فاقتضى التنبيه والله اعلم.
(4) شرح الحموية / ص 199.
(5) تقريب التدمرية / ص 24.
(6) شرح المواقف م 8 / ص 232.